رُخّص للمكره في التلفّظ بما يُكره عليه ولو كان كفرًا، ولكنّ للإكراهِ ضوابطَ شرعيَّةً يتعيّنُ ضَبْطُهُ بِهَا وتقييدُهُ، وإلاّ أدَّى التوسُّعُ فيهِ إلى هدمِ أركانِ الشريعةِ، وإزالة قواعِدِها.
وسيأتي بإذن الله الحديثُ عن الضوابطِ والقيودِ للإكراهِ، إلاّ أنَّ ما يعنينا هنا الحديث عن هذا الباب من أبوابِ الشيطانِ، فرُبَّما سوَّلَ للعبدِ الترخُّصَ والتوسُّع بالإكراه حتّى جاوز حدَّهُ، فيُزيغُ الله قلبه بقدر ما زاغ {فلمَّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُم} .
وكذا التوسُّع في التوريةِ الَّذي وإن اختلف العلماء في جوازه بلا حاجة في الأصلِ، إلاَّ أنّ استعماله في موضع الهمز واللمز والطعن في المجاهدينَ محرّم لما فيه من الهمز واللمز، وللتوريةِ أبوابٌ منها الجواب عن السؤال الخاصِّ بكلمةٍ عامَّةٍ لا يقصد بها المسؤول عنه، وإن كان الناس يفهمون ذلك، ومنها الحديث بذمِّ الخوارج وذكر بعض مقالاتِهِم في موطنٍ يُفهمُ فيه أنَّ المقصودَ المجاهدونَ، وأنّ الحديث عنهم، أو ذكر شيءٍ من المقالات المستشنعة مع إيهامِ أنَّها مقالةٌ للمجاهدين الموحِّدين.
ومن أقبح أبواب التورية وأخطرها؛ إيهامُ صاحب الضلالة أو الكفر أو الفسوق موافقَتَهُ على مذهبِهِ وضلالته، وفي هذا إقرارٌ له على ما هو فيه، لذا ذكر أهل العلم أنّ من أظهر للكافر الموافقة على كفره كفرَ، كما قرَّر ذلك سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالة"الدلائل".