أنزل الله الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيهِ، وأمر الناس بالرجوع إليه في مسائل النزاع ومواضع الخلاف.
والمسائل الشرعيَّة في تأصيلِهَا لا يُمكنُ أن تتأثَّر بالواقعِ البتّة، فلا يُمكن أن تُثبتَ التجربةُ أنّ الحاكم بغير ما أنزل الله مسلمٌ والدليل يُثبتُ أنَّهُ كافرٌ، ولا يُمكن أن يدلّ النص على أمرٍ وتكذّب التجربة تلك الدلالةَ.
وأمّا تنزيل المسائل على الواقع فيمكن أن تدخل التجربة فيه لكنّها تكون مضبوطةً بالشرعِ، فتدل التجربة على مناطات الأحكامِ في الوقائع والأعيانِ، لا على الواجب حيال تلك المناطات، فدلَّت التجربة في الصومال مثلًا، على قدرة المجاهدين على مواجهة أمريكا والانتصار عليها بحول الله، ولكنَّ التجربة التي دلّت على الواقع - القدرة - لا يمكن أن تدلّ على الواجب تجاهه - القتال وتركه -
ومن أكبر أسباب الضلال في الدعواتِ على مرِّ العصور، مراعاة النتائج، ومراقبةُ الثمرات، وهذا وقع في أصل الإسلام ممن قال الله فيهم {ومن النَّاس من يعبُدُ الله على حرفٍ فإن أصابَهُ خيرٌ اطمأنَّ بهِ وإن أصابَته فتنةٌ انقلبَ على وجهه خسرَ الدُّنيا والآخرةَ ذلكَ هو الخُسرانُ المُبين} ، {ومن الناس من يقولُ آمنَّا بالله فإذا أُوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} ، ويقعُ في الفروعِ والمناهجِ والأعمالِ على درجاتٍ ومراتِبَ.
وسببُ دخولِ الغلطِ على من يستدلّ بالتجارب ويتحاكم إلى النتائجِ، معرفته أن ثمرة الخير خيرٌ ولا بدّ، وأن نتيجة العمل الصحيح الثمرة الصالحةُ، وهذا حقٌّ على أن لا يقتصر النظر على الدنيا وما يحدثُ فيها، فقد قُتِّل المؤمنون في الأخدود أجمعينَ، وكان ذلك فوزًا كبيرًا بنصِّ القرآنِ حين جُمعَ إليهِ الثوابُ الأُخرويُّ، ولم تُقصرِ النَّظرةُ على الدنيا وما يحدثُ فيها.
فمن نظر في النتائج الدنيويَّة والأخرويَّة علم أنّ الثمرة الأولى، والنتيجة الكبرى لعمل المُؤمن هي ما بعد موته لا ما كان قبله كما قال عزَّ وجلَّ في بدر: {تُريدون عرض الدنيا والله يُريد الآخرة} ، فهي المقصود الشرعيُّ الأصليّ، ولذلك ذكر الله ذلك في العقد بينه وبين المُؤمنين {إنَّ الله اشترى من المُؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنَّةَ يُقاتلون في سبيل الله فيَقتُلُونَ ويُقتَلون وعدًا عليه حقًّا في التوراةِ والإنجيلِ والقُرآنِ ومن أوفى بعهدهِ من الله فاستبشروا ببيعِكم الّذي بايعتُم به وذلكَ هو الفوزُ العظيمُ} ، فلم يذكر في أصلِ العقدِ إلاَّ الآخرةَ.
وقال عزّ وجلَّ: {يا أيُّها الَّذين آمنوا هل أدلُّكم على تجارةٍ تُنجيكم من عذابٍ أليمٍ * تُؤمنون بالله ورسوله وتُجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفُسِكم ذلكُم خيرٌ لكم إن كُنتُم تعلمون * يغفر لكم ذنوبَكُم ويدخلكم جنّاتٍ تجري من تحتِها الأنهارُ ومساكنَ طيبةً في جنّاتِ عدنٍ ذلك الفوزُ العظيمُ * وأُخرى تحبّونها نصرٌ من الله وفتحٌ قريبٌ وبشِّر المُؤمنين} ، فجعل التجارةَ ما في الآخرةِ، وجعل النصرَ والفتحَ القريبَ هبةً أُخرَى ومزيدًا من عنده جلَّ وعلا.
وقال سبحانه لنبيِّه: فإمَّا نذهبنَّ بكَ فإنَّا منهم منتقمون * أو نرينَّك الَّذي