الصفحة 18 من 57

وعدناهم فإنَّا عليهِم مُقتدرون * فاستمسِك بالَّذي أُوحيَ إليكَ إنَّك على صراطٍ مُستقيمٍ.

ويأتي يومَ القيامةِ النبيُّ ليس معهُ أحدٌ، والنبي ومعه الرجلُ والرجلانِ، فما قال أحدٌ ولا يقولُ أحدٌ يعقل عن الله ورسولهِ إنَّ هؤلاء الأنبياءَ والصالحين خسروا، وإنَّ التجربة دلَّت على بُطلان طريقتهم وأن الصواب خلاف ما فعلوا.

ولا يُقال هذا في ما وقع بالمسلمين في أحدٍ، ولا ما لقيه الموحّدون في الدرعيَّةِ، ولا ما نال دولة الطلبة في قندهارٍ، بل الأيام دول والحرب سجالٌ، وإذا كان المقصود الأول ثواب الآخرة ولم ينقص منه شيءٌ بل زاد، فإنّ الدنيا فضلةٌ، وإقامةَ الدين والخلافةِ فيها واجبٌ شرعيٌّ المطلوب فيه بذل الجهد والطاقة؛ فمن عجزَ فقد نالَ أجرهُ كاملًا، بل يلحقُ بالفضل الَّذي جاء في الحديث:"ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم"، كما روى مسلمٌ من حديث ابن عمروٍ رضي الله عنه مرفوعًا.

واشتراط النتائج في العمل من تكلّف ما لم يأمر به الله، وتغيير المناهج عند تغيُّر النتائج فرعٌ على هذا التعدّي على حقّ الله والتجاوزِ لحدودِهِ، والنظر إلى النتائج والاهتمامُ بها يكون على وجهين:

الأول: التأثُّر لضلال الضالّين، والضيق بعناد المعاندين للحقِّ، وهذا مما يقعُ من الطبيعةِ ولا تُوجبه الشريعةُ، فوقع من النبي صلى الله عليه وسلم {فلعلّك باخعٌ نفسك على آثارِهم إن لم يُؤمنوا بهذا الحديثِ أسفًا} ، {لعلّك باخعٌ نفسَك ألاّ يكونوا مُؤمنين} ، ولكنّ الله نهاه عن هذا، والنهي فيه هو النهي عما يقع من أعمال القلوب ممّا ليس في مَلكِ العبدِ، وإنَّما محلُّ النّهيِ في أعمال القلوب التي لا يد للعبد فيها كقوله صلى الله عليه وسلم"لا تغضب": الاستجابةُ المقدورُ عليهَا والاسترسالُ في آثارِها، واجتناب أسبابِها فيما يكون للعبدِ يدٌ في أسبابِه، فنهى الله نبيَّهُ صلى الله عليه وسلَّم عن الحُزنِ: {فلا تحزن عليهِم ولا تكُن في ضيقٍ مما يمكُرُون} ، وعاتبه في قولهِ: {فإن كان كبُر عليكَ إعراضُهُم فإن استطعتَ أن تبتغيَ نفقًا في الأرضِ أو سُلّمًا في السماء فتأتيَهُم بآيةٍ ولو شاءَ اللهُ لجمَعَهُم على الهُدى فلا تكوننَّ من الجاهلين} .

والثاني: ترك الحقِّ إن لم يقبله الناس، أو رأى من نتائِجِهِ ما لم يكن يظنُّه يقع، وهذا حالُ من ذكر الله عنهم: {ومن النَّاس من يعبُدُ الله على حرفٍ فإن أصابَهُ خيرٌ اطمأنَّ بهِ وإن أصابَته فتنةٌ انقلبَ على وجهه خسرَ الدُّنيا والآخرةَ ذلكَ هو الخُسرانُ المُبين} ، وهو وادٍ من أوديةِ الضلالة نسأل الله السلامة.

وقد وقع من كثيرٍ من الدعاةِ تراجعاتٌ عن أصولٍ ومبادئ يستندون فيها إلى التجربةِ، وهم كمن يزرع ويستعجل الحصاد فيحرث أرضه ويبطل ما صنع وزرع، وتمضي عليه السنون لا يخرج بطائل، ولا يتبيّن حقًّا من باطل.

ولو سلّم للمستدلّ بالتجربة ذلك، فتجربة ستة الأشهر التي ذكرها المتراجعون لا تقاس بتجربة من جرّبوا طريق الجهاد سنين طوالًا، وأزمنةً مديدةً، فإن طلبوا من المجاهدين النزول عن الحقّ الّذي يعلمونه إلى تجربتهم القصيرة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت