من أمارات الحقّ كما لا يخفى على آحادِ الطلبة الدليلُ، ولا يمكن أن يكون الحقّ بلا دليل، فضلًا عن كونه خلاف الدليل، والراجع إلى الحقّ لا يمكن أن يرجع إلاّ وقد رأى دليلًا أظهرَ من دليلِهِ في القول الّذي كان عليه، وعلم أو ظنّ أنّه هو مراد الله ومقصوده.
وإذا كان اتّخاذ القول ابتداءً لا يكون إلاّ بدليلٍ، فإنّ الرَّجوعَ عن قولٍ والأخذَ بقولٍ آخر لا يكون إلاّ بدليل، ومعرفة الباطلِ لا تكون إلاّ بدليلٍ، ومعرفة الحق لا تكون إلاّ بدليلٍ.
ودعاء الداعي ربّه أن يُريه الحقَّ حقًّا ويرزقه اتّباعه يعني أن يُهدى إلى الحقّ ودليلِهِ، لأنّ الاتّباع لا يكون لقولٍ لا دليلَ عليهِ، واتّباع القول الَّذي لم يُؤيّد بالدليل منهيٌّ عنه شرعًا، ولا يصحُّ من الداعي أن يسأل الله أن يرزقه ما منع الله منه، وهو اتّباع القول بلا دليلٍ، فعُلم بالضرورة أنّ الدعاء بمعرفة الحق واتّباعه يشملُ معرفة الدليل.
وإذا كان للباطلِ في المسألةِ دليلٌ فيستحيلُ أن يكون الحقُّ بلا دليلٍ، على أنّ الباطل لا يكون مقتضى دليلٍ صحيحٍ بحالٍ من الأحوالِ، وإنّما يردُ الخطأ من فهم السامع، والتَّراجعات التي رأينا كانت تراجعات عن أقوالٍ دلّ عليها الدليل إلى ما لا يدلُّ عليهِ دليلٌ بل الدليل في نقضه ظاهرٌ أعظم ما يكون الظهور، فلو صحّت هذه التَّراجعات كان مقتضاها أنّ الباطل له دليلٌ قويٌّ، والحقّ خلوٌ من الدليل، بل يحتاج إلى أن يُستدلَّ له بالتجارب وبفلانٍ وفلانٍ.
ومُحالٌ أن يُحيلنا الله على الكتاب والسنَّةِ ولا نجد الهُدى فيهِما، وقد أنزل الله الكتاب هدىً للناس في جميعِ أمورِهِم، فكيف لا يُرجع إليه في طلب الهدى؟ وكيف يقبل الرجوع عنه إلى آراء البشر وفُهُومِهِم المنحَرِفَة؟
والتَّراجعات إن كان في مسائل نزاعٍ يجبُ ردُّها إلى الله والرسولِ لدخولِهَا في عموم قوله تعالى: {فإن تنازعتُم في شيءٍ فردُّوه إلى الله والرَّسولِ إن كُنتم تُؤمنون بالله واليَومِ الآخِر} ، فعمم الأمر بالرد إلى الكتاب والسنة في كل شيءٍ، وقوله شيء نكرة في سياق شرط، وأمر برد عينِ ما تُنوزع فيه إلى الكتاب والسنة، فقال فردوه أي ما تنازعتُم فيه.
وفي ذلك أنَّ الأخذ بالدليل يكون في أصول المسائل وفي تفاريعها، وأنَّ محلَّ النِّزاع في المسألة يجبُ ردُّهُ إلى الكتاب والسُّنَّةِ وإعمال الأدلَّةِ فيهِ، لا كما يفعلُ المُلبّسون من الاستدلال بعموماتٍ غير مختلفٍ فيها، ويتحاشون الكلام في مسألة النزاع والنظر فيها.
والمُتراجِعُ إن رجعَ عن قولٍ في مسألةٍ، كان عليه فيما يرجع إليه أن يُقيم الدليل على محلّ النزاع، لا أن يرجع إلى المجملات والمحتملاتِ من النصوص، ويستدلُّ بالعمومات التي لم يختلف فيها اثنان.
وعليه أيضًا: أن يُقيم الدليل على قوله في المسألة التي رجع إليها عند الحديث عن تأصيل المسألةِ لا يُجزئه إلاّ ذلك، وأمّا إن كان تراجعه في شيءٍ من