الصفحة 8 من 57

فصل؛ ضوابط الرجوع الشرعي؛ الرجوع عن الإجمالِ إلى التفصيل

فالإطلاق والإجمال دون بيانِ ... للخطأِ في الشريعةِ وغيرِها أسبابٌ عدةٌ هي له أماراتٌ، فمن الأسباب الإجمالُ في فهم المسائل وفي إبلاغِها والحديثِ عنها، وقد طوَّلَ شيخُ الإسلامِ في بيانِ أثر الإجمال في الإضلالِ، وقال أبو عبد الله ابن القيّم في نونيَّتِهِ:

فعليك بالتفصيل والتبيان

الأذهان والآراء كل زمانِ ... قد أفسدا هذا الوجود وأفسدا

ومن الإجمال ما ذمّه الله عزّ وجلَّ على أهل الكِتابِ فقال: {يا أهل الكتاب لم تلبِسون الحقَّ بالباطل وتكتمون الحقَّ وأنتُم تعلمون} ، فلم يكُن أئمةُ الضَّلالِ من أهل الكتاب وغيرِهِم يأتون بالباطل المحضِ البيِّن الَّذي لا يُشبه الحقّ ولا يُخالطهُ، بل كلُّ صاحبِ بدعةٍ وضلالةٍ يخلطُ الباطِلَ الَّذي يأتي به بشيءٍ من الحقِّ ليروجَ عند الناس وتقبله النفوس الّتي تطلبُ الحقّ الَّذي خُلط بالباطل، فتأخذه بما معه من باطلٍ وتلبيسٍ كما ذكر الشاطبيُّ رحمه الله في الاعتصام.

بل لو تأمَّلتَ حُجَجَ المُبطِلينَ حيثُ ذُكروا وذُكرت حُجَجُهم وجدتها تستندُ إلى حقٍّ تموِّهُهُ بالإجمالِ، فتستدلُّ بما فيه من الحقّ، وتأخذُ ما فيه من الباطلِ، فأوّلُ شركٍ وقع في الأرضِ شركُ قومِ نوحٍ الّذين أحبُّوا الصالحين، وقصدوا الاستنان بهم في العبادة والصلاح، وهذا حقٌّ، ولكنّه لا يقتضي الباطل الّذي استدلُّوا به عليهِ من دعائِهِم من دون الله واتّخاذهم أربابًا، والّذين عبدوا الكواكب رأوا آياتِ الله العظيمةَ فيها فأصابوا في الاستدلال منها على التوجّه إلى الربّ وطلب الحاجات منه، ولكنّهم أخطأوا في صرف عبادتهم إلى الدليل لا إلى من دلّ عليه الدليل، وقريشٌ حين اتّخذوا الآلهةَ التي يعبدونها من دون الله، ما كان قصدهم إلا التقرب إلى الله والتزلُّف إليهِ وهذا قصدٌ صحيحٌ، ولكنّ التقرب إلى الله لا يكون بالوسائطِ وصرفِ حقوق الله إليها، فهم في كلّ ذلك يقصدون حقًّا، ويفعلون باطلًا، ويستدلُّون بمجملٍ، إمّا بعظمة الخالق التي يرونها في المعبود من دون الله، وإمَّا بصحّة مقصودهم من التقرب إلى الله، وإمَّا بعلمهم بقرب معبوديهم إلى الله.

ورميُ المشركين للأنبياءِ ومن يدعوهم إلى الله بالتغيير والتبديل، وتسميتهم من أسلم صابئًا، ورميُهُم الدين بأنّه محدثٌ، يستندُ إلى حقٍّ في أصلهِ، وهو حمدُ الثّباتِ وفضلُهُ، وعيبُ التغيير والتبديلِ وذمُّهُ، وهذا إجمالٌ مضلِّل: فالثبات حقٌّ، والتغيير باطلٌ، ولكن الثبات الذي هو حقّ هو الثبات على فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا على ما أحدثه الآباء والأجداد وغيّروا به الأصل الثابت، فالثبات المحمود هو الثبات على أمر الله ودينه، والتغيير المذموم هو التغيير عن ذلكَ والانحراف عنه.

والمبتدعة في صدر الإسلام وعصورِهِ، ما كانوا يستندون إلاّ إلى المُجملاتِ والعموم المخصوص أو الّذي يفهمونه على غير وجهِهِ، فأوّل البدع بدعةُ الخوارِجِ: وأوّل ما أحدثوا أنّهم استدلُّوا بقوله عزّ وجلّ: {إن الحكم إلا لله} ، على منع التحاكم إلى رجلٍ من المسلمين، لأنّ التحاكم لا يكون إلا لله، وهذا باطلٌ ودليلُهُم حقٌّ لو فُصّل فيه، فإذا كان من يُتحاكم إليه يحكم بحكم الله و لا يخرج عن شرع الله، فهو في حقيقةِ الأمرِ يحكم بحكم الله، والتحاكم إليه إنّما هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت