والتراجعُ عن شيءٍ من الأقوال أو الأفعالِ الشرعيَّة يكون على وجهينِ، كلاهما يقعُ في تصوّر المسألةِ واقعًا وشرعًا، ويقعُ في الحكمِ علَيهَا وتنزيل الأدلَّةِ فيها.
فالوجهُ الأوّل: التراجع عن أصلٍ علميٍّ فقهيٍّ أو عقديٍّ، أو مسألةٍ تأصيليَّةٍ.
والوجه الثاني: التراجع عن إلحاقِ فرعٍ من الفروع بأصل المسألةِ، وعدّه من صورها وتفاريعِها.
فالأولُ: لا يُمكن أن يتأثر بالواقع، أو يُرجع فيه إلى التجربة، إلاّ فيما نُصَّ فيهِ إلى الرجوع إلى الواقع والمحاكمة إليه، وذلك لا يكون في شيءٍ من أُصولِ الأحكام العملية، وإنّما يُتصوَّرُ في الأخبار ونحوها.
والثاني: يتأثر بالواقع وقد يُعلّق به في حدود الشرع، كالمسائل التي يُرجع فيها إلى العرف، أو يُعلّق العمل بها برجحان مصلحة أو انتفاءِ مفسدةٍ.
وتلتبسُ المواطِنُ الّتي يُطلب فيها الرجوع إلى الحق ويُمدحُ فيها من رجع عن قوله، بالمواطن التي يُطلب فيها الثبات على الحق ويُمدحُ من ثبت على ما هو عليه، بالتباس الحق والباطل فيهما، سواءٌ التباسه في نفسِهِ في مسائل الاجتهاد، أو التباسه في حقِّ معيَّنٍ لتقصيرٍ في طلب الحقّ، أو هوىً يُعمي عن معرفة الهدى من الضلال.
ولمعرفة هذا من هذا، والفصل بين هذا وهذا أَماراتٌ باديةٌ ظاهرةٌ تكونُ في رجوعِ من يرجعُ إلى الحقِّ، وذكرُها يردُ في الضوابط الآتية.