الصفحة 6 من 57

وإن كادوا ليَستفزُّونك من الأرضِ ليُخرجوك منها وإذًا لا يلبثون خلافَكَ إلاَّ قليلًا * سنَّة من قد أرسلنا قبلكَ من رُسُلِنا ولن تجدَ لسُنَّتِنا تحويلًا، فبيّن الله عز وجل أن المشركين عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم بعض عروضهم ليفتنوه عما أوحى الله إليهِ، ليفتريَ غيرَه، وبيّن أنَّه لو فعل لاتّخذوه خليلًا، ونحن نرى اليوم المرتدّين كيف بادروا بالثناء والتكريم لمن أبدى شيئًا من التراجع، وصار من يسمَّى أمس؛"المدعوّ"، يسمّى اليوم"فَضِيلة الشَّيخ"، وأعجبُ ممن يتلو قوله تعالى: {ولولا أن ثبّتناك لقد كدتَ تركنُ إليهِم شيئًا قليلًا} ، ثمَّ لا يتضرَّعُ إلى الله يسأله الثباتَ، فلولا عصمة الله لركن أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم الركون القليل الَّذي يقتضي من العذابِ ضعف الحياةِ وضعف المماتِ، وهذان الضِّعفانِ لمن ركن ركونًا قليلًا، فكيف بمن كان {للخائنين خصيمًا} ؟

وعرَضَ المشركون على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مراجعتهم المشهُورة: اعبد إلهنا سنةً ونعبد إلهك سنةً، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {قُل يا أيُّها الكافرون * لا أعبدُ ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبدُ * ولا أنا عابدٌ ما عبدتُم * ولا أنتُم عابدون ما أعبدُ * لكم دينكم وليَ دين} .

وقال عزَّ وجلَّ: {فلا تُطع المكذّبينَ * ودُّوا لو تُدهن فيُدهنون} ، وقوله عزّ وجلَّ: {فلا تطع} ، دالٌّ على أنّهم عرضوا وطلبوا منه صلى الله عليه وسلم، وقوله: {ودُّوا لو تُدهن} ، إخبار منه عزَّ وجلَّ بما يطلبُون.

ومن التَّراجعات عن أصلِ الدين ما فعله المرتدُّون في حياةِ الصديق رضي الله عنه وأرضاهُ وفي آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلَّم حين شكُّوا في صحّة النبوة والرسالة، أو جحدوا شيئًا من الشعائر أو امتنعوا، أو عرضت لهم الأطماع والأهواء فاتّبعوها وأعرضوا عن دين الله.

والتراجُعُ كثيرٌ في صور الردة التي كانت زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي زمان من بعده، وفيما دون الردة من الضلال والانتكاس كما وقع لأهل الأهواءِ وغيرِهم.

ومن التَّراجعات الحديثة، تراجعات الدعاة الذين سُجنوا عام 1415 فكانوا منذ خرجوا في تغيُّرٍ وتراجعٍ حتّى وصلوا إلى ما هم عليه اليوم، نسأل الله لهم الهداية، تلتها بالأمسِ القريبِ تراجُعاتُ بعضِ رُموزِ الجماعة الإسلاميَّة الّذين تراجعوا في سجون مصر، وألّفوا كُتُبًا في تراجُعِهِم.

وتلاها بأخرةٍ تراجعاتُ عليٍّ الخضير، وناصرٍ الفهدِ في سجون طواغيتِ الجزيرة، وقد خرجوا على التلفاز وأعلنوا ذلك من خلال تحقيقٍ علنيٍّ أجراهُ عايضُ القرنيّ معهم في ثوب لقاءٍ، أدانوا فيه العمل الجهاديّ القائم في جزيرة العربِ اليوم لقتال الصليبيين المحتلّين، وتعرّضوا لمسائلَ شتَّى سيردُ ذكرها بإذن الله.

وهذه التَّراجعات الأخيرة هي ما دفعني إلى كتابة هذه الرسالةِ ليقرأها المجاهدونَ وطلاّبُ الحقِّ من غيرِهِم، وليُعلم منزلُ هذه التَّراجعات من الشرع، وحكمُها فيه، وللإشارةِ إلى مواطنِ الزَّللِ في تراجعهم وما حصل وقد يحصل لغيرِهِم من تراجعات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت