الصفحة 5 من 57

الرجوع إلى الحقّ لونٌ من ألوان العبوديَّةِ وبابٌ من أبواب الاستسلام لله، فإنَّ المسلم في علومه وأعمالِهِ إنّما يصدر عن حكم الله، وليس له في نفسه قولٌ ولا رأيٌ إلا أن يتلمّس حكم الله ويجتهد في ذلك، ومن كانت هذه حالُهُ لم يعسُر عليه أن يرجع عن قولٍ قاله ورأيٍ رآهُ متى تبيّن له أنّ حكم الله ومراده في غير ذلك القولِ.

ولا يُوفَّق إلى الرجوع إلى الحقّ إلاّ من تجرّد لله، وكان قصده في المبدأ والمعاد وجه الله، فهانت عليه حظوظ نفسِهِ، ولم يكترثْ بشهوةِ النَّفس التي تُنازعِهُ وترى في الرجوع غضاضةً، واعترافًا بالنَّقصِ والضعفِ والجهلِ، وتخليًا عن القول الَّذي ألفته ونصرته وناظرت عليه وجادلت فيه.

وفي مقابلةِ الرّجوع إلى الحقّ، فضيلةٌ أخرى لا تقلّ أهميَّة ولا يسوغُ التغافلُ عنها، وهي فضيلةُ الثَّباتِ على الحقّ والتمسُّكِ به، وعدم التزلزل والتراجع والنكوص على العقبين، والتغيير والتبديل، وكلا الفضيلتين منشؤه العبودية لله والاستسلام له والانقياد لحكمه، فإن علم أنّ القول الّذي هو عليه حكم الله هانت عليه الدنيا في مقابلته، ولم يعسُر عليه أن يفقد كل محبوبٍ ومرغوبٍ من أمر الدنيا ولا يخرج عن أمر الله الّذي اهتدى إليهِ.

والفضيلتَانِ من شكر النعمة لمن وُفِّق إليهِما، فمن استبانَ لهُ أنّه على باطلٍ فمن نعمة الله عليه أن أراه الباطلَ باطلًا، ومن شكر الله في هذه النعمة أن يرجعَ عن هذا الباطل، ومن استبانَ له الحقّ وعلمَ أنّ هذا مراد الله وحكمُهُ فمن شكر الله الَّذي هداه إلى الحقّ والعمل به، وأراه الحقّ حقًّا أن يتمسّك بما هداه الله إليه، ولا ينزل عنه بحالٍ من الأحوال أو ظرفٍ من الظروف، سواءٌ عرضَ له هوىً مرغوبٌ، أو خوفٌ مرهوب.

وقد مدحَ الله من يرجعُ إلى الحقِّ في كتابه، ومدح الراجعين إلى الحقِّ من النصارى بأنَّهم {لا يَسْتَكْبِرُوْنَ} ، كما قال عزّ وجلَّ: {لتجدنَّ أشدَّ النّاس عداوةً للَّذين آمنوا اليهودَ والَّذين أشركوا ولتجدنَّ أقربَهُم مودَّة للذين آمنوا الَّذين قالوا إنَّا نصارى ذلكَ بأنَّ منهم قسِّيسينَ ورُهبانًا وأنَّهُم لا يَسْتَكبِرُونَ * وإذا سمِعُوا ما أُنزلَ إلى الرَّسُولِ ترَى أعيُنَهُم تفيضُ من الدَّمعِ ممَّا عرفوا من الحقِّ يقُولُون ربَّنا آمنَّا فاكتُبنا مع الشَّاهِدِينَ * وما لنا لا نُؤمِنُ باللهِ وما جاءَنا من الحقِّ ونطمَعُ أن يُدخِلنا ربُّنا مع القَومِ الصَّالِحِينَ * فأَثَابَهُم الله بما قالُوا جنّاتٍ تجري من تحتِها الأنهارُ خالدينَ فيها وذلكَ جَزَاءُ المُحسِنينَ} .

كما مدحَ عزَّ وجلَّ من ثبَتَ على الحقِّ وتمسَّك به: {وكأيِّن من نبيٍّ قاتَلَ معهُ ربِّيُّون كثيرٌ فما وَهَنُوا لما أصابَهُم في سبيلِ اللهِ وما ضعُفُوا وما استكانوا والله يُحبُّ الصَّابرين} .

وقد عُرضت التَّراجعات على كلِّ نبيٍّ ومصلحٍ وداعٍ إلى الله، وهي سنَّةٌ لا تبديلَ لها؛ فحكى الله عن مشركي قريشٍ مع نبيِّنا صلى الله عليه وسلم أشياء من ذلك، وبيّنَ أنَّها سنَّةٌ في كلِّ رسولٍ، قال سبحانه: وإن كادوا ليفتنونك عن الّذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيرَهُ وإذًا لاتّخذوك خليلًا * ولولا أن ثبّتناك لقد تركنُ إليهِم شيئًا قليلًا * إذًا لأذقناك ضِعف الحياةِ وضِعفَ المماتِ ثمَّ لا تجدُ لكَ علينَا نصيرًا *

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت