يدندن المرجئة واللابسون الحق بالباطل كثيرًا على ضوابط التكفير عند إرادةِ الدفاعِ عن طاغوتٍ بيّنٍ الكفر، أو التشنيع على مُكفِّر من كفَّره الله ورسوله، ومن ذلك ما ذكر المتراجعون وغيرهم، وضوابط التكفير ليست مخرجًا لكلِّ من ارتكب الكفر ومرق من الدين وخرج من الملَّة، بل هي حدودٌ بيّنةٌ ومعالم واضحة، وهؤلاء يستعملون هذه الحجَّة لا إرادة تطبيقِها، بل للدفع في صدور النصوص الصحيحة، عندما ينزّلها الصادقون الصادعون بالحقِّ على من توفّرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانِعُ من الكفَّارِ المرتدِّينَ.
فمما يُكثرون الحديث عنه وجاء في التَّراجعات ذكرهم قيامَ الحجَّة، واشتراطَهُ، في معرض الحديث عن حكم المجاهدين بكفر طواغيت الجزيرة كنايفٍ أخزاه الله وقد فعل.
وقيامُ الحجَّةِ يُستعمل في مواطنَ:
منها: بلوغ الدعوة، وقيامُ الحجَّةِ الرساليَّة، وهذا الموطن لا يمتنع معه الكفر، بل هو في حقِّ الكفَّار أصحاب الفترات الَّذين لا يُنازع في كفرهم، وإنَّما أثر بلوغ الدعوة خلودهم في النارِ على أحد قولي أهل العلم، فلا يصحُّ إيراده على هذا المعنى في مسألتِنا.
والثاني: بلوغ العلم بتحريم المكفِّر المعيَّن، وهذا فيه تفصيل:
فمن المكفِّرات، ما يكون جهل الجاهل بتحريمه كفرًا مستقلاًّ، كالجهل بأصل الدين وانفراد الله باستحقاق العبادةِ، فمثل هذا إن ارتكبه المرتكب عالمًا كفر، وإن جهله فليس بمسلمٍ.
وهذا مما يحكم ببلوغه إلى كل أحدٍ، كالمسائل الظاهرة المعلومة من الدين بالضرورة، إلاَّ من كان بباديةٍ بعيدةٍ ونحوه في الصور التي ذكرها أهل العلم، فهذا إن ارتكب المكفِّر يُحكم بكفره دون استفصالٍ عن العلم وبلوغِهِ إيَّاهُ، ويكون ذلك حكمه الدنيويَّ الظاهر.
ومن الجهل ما يكون عن تفريطٍ ومع تمكّن من العلم، فالجاهل المفرّط في أصول الدِّين لا يُعذر، وعدم إعذار الجاهل المتمكِّن من العلم المفرِّط في طلبه إن ارتكب الكفر محلُّ اتّفاقٍ فيما أعلمُ بين أهل العلم.
وممن أحسن التفصيل والاستدلال في مسألةِ العذرِ بالجهل إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في رسالتِه عن العذر بالجهل، والتي طُبعت بعنوان:"تكفير المعيَّن".
وفي قيامِ الحجَّةِ غلطٌ يكثر عند من استعجل عن تحرير المسألةِ، فتجد كثيرًا من المتكلِّمين في المسألة يتوهّم العلم المشترط بلوغُهُ العلمَ بكون الفعل المعيَّنِ كفرًا، وإنَّما المشترط اتّفاقًا العلم بالتحريم، ولا يشترط في شيءٍ من الأحكام علم الفاعل بالأثر ليترتّب الأثرُ على فعلِه، وإنَّما يشترط علمه بالنهي، ولو كان الأمر كما توهَّم المُتوهَّم لما كُفِّر المستهزئون في غزوة العسرة حتَّى يُعلَموا أنَّ فعلهم كفرٌ، ولما كُفِّر المرتدّون زمن الصحابة حتَّى يُوضَّح لهم هذا الأمر، وهذا ما لم يكن ولم يقُل به أحدٌ.
ولو كان ذلك كذلك لكان من أوَّلِ نتائجه ومستلزماته أنَّ من ارتكب كفرًا مختلفًا فيه كترك الصلاة لا يكفر إن احتجَّ بالخلاف في ذلك، فضلًا عن تارك الصلاة الَّذي لم يعلم ولم يطرق سمعه كفر تارك الصلاة.
ومن الأعذار التي يلجأ إليهَا المُجادلون عن الطواغيت: الاحتجاج بمانع الإكراهِ، ودعوى أنَّ هؤلاء الطواغيت مكرهون على ما يفعلونه من المكفِّراتِ؛
وهذه من أوهى الشبه إلاَّ أنَّ الغريق يتشبّث بعودٍ.
والإكراهُ متى كان مانعًا كان في موضع الإكراه لا أكثر، فمن أُكره على كلمةٍ لم يكن له أن يتلفّظ بكلمتين، ومن أكرهَ على سبِّ رسول الله محمدٍ صلى الله عليه وسلم لم يُعذر بأن يسبّ جميع الرسل، ومن أُكره على السجود لصنم لم يكن له أن يطيل السجود ويرفع صوته بالدعاء والتضرُّع.
بل من كانت هذه حالُهُ كان أبعدَ الناس عن الإكراه، ودلَّت حاله على محبّته ذلك الكفر وإرادته له، وإذا كان معذورًا بالإكراه فيما أكره عليه، فإنَّه كافرٌ بارتكابه ما زاد على ما أُكره عليه.
وليس الإكراه، إكراه من يريد الحفاظ على منصبه وكرسيِّه، ويرى سقوطه عنها أو قتله دونها إكراهًا، ويخشى من العمل بدين الله والقيام بشريعتهِ إن هو فَعَلَ أن تفوت حظوظه الدنيويَّة وأهوائه ورغباته.
ولا الإكراه أن يُكره على عملٍ في يومينِ، فيسابق إليهِ في الثالثِ، وأن يُكره على دخول مجلسٍ فيواظبَ على جلساتِهِ، أو يُكره على دخول معاهدة كفريَّةٍ فيلتزم بنودها ويعمل بها.
وليس من الإكراه في شيءٍ أن يخشى ضررًا يأتيه لا يحقّقُ قدومَه ونزولَه به، فيُسارع في أعداء الله في موالاتِهم ومُوادَّتِهِم والتقرُّبِ إليهِم بما يُحبُّون.
ولو كان هذا من الإكراه لعذر الله المنافقين الَّذين ذكرهم الله: {فَتَرى الَّذين في قلوبِهِم مرضٌ يُسارعون فيهم يقُولونَ نخشَى أن تُصيبَنا دائرةٌ} .
وليس من الإكراهِ أن يبيع المنافق الأمَّة والبلاد، ويغيّر الدين في الناس كلهم ثم يستديمونه ويبقون عليه، بل لو وقع الإكراه عليهم جميعًا بذلك لم يكن لهم إلاَّ فعل أصحاب الأخدود.
ومن الموانِعِ التي استند إليها المجادلون عن الَّذين يختانون أنفسهم مانعُ التَّأويلِ، ولو كان الأمرُ على ما فهموه ما كفر إبليس ولا مشركو قريشٍ، فإنِّي وجدتُ من وجدتُهُ يُحاجُّ بذلِكَ يدّعي عذر كلِّ من سوَّغ لنفسه الكفر وسهَّله على نفسه بمتشابهٍ أو ما شُبِّه بدليلٍ شرعيٍّ، ولو كان ذلك كذلك لعُذر إبليس فقد كان له تأويلٌ ولكنَّه تأويلٌ شيطانيٌّ، والمشركون كان لهم تأويلاتٌ وحججٌ داحضةٌ {ما نعبدهم إلاَّ ليُقرِّبونا إلى الله زُلفى} ، {لو شاء الله لأنزلَ ملائكةً} ، بل كانوا يتوهَّمون ما هم عليه من كفرٍ وفحشاءَ أمرًا من الله ورثوه عن آبائِهم {وإذا فعلوا فاحشةً قالوا: وجدنا عليها آباءنا، واللهُ أمرنا بها} .
والتأويل الَّذي هو مانعٌ من موانعِ الكفرِ هو تأويلُ من يتأوَّلُ أنَّ فعلَهُ مباحٌ مشروعٌ، لا من يعلم أنَّ الله نهى عنه وحرَّمه، ويتأوَّلُ بفهمه أنَّه ليس بكفرٍ ولكنَّه معصيَةٌ.
والتأويل المانعُ من الكفرِ يردُ في موضعين:
الأوَّل: في حقيقة الفعل الَّذي يفعلهُ، كمن يرى أنَّ فعله ليس إعانةً للكفَّار وإن كان في تلك الصورة، كما هو الراجحُ فيما فعله حاطب رضي الله عنه.
والثاني: في تحريم ما يفعله أو يقوله أو يعتقده من المكفِّراتِ، وهذا يكون مانعًا بضوابطَ:
أولها: أن لا يكون جهله وتأويله ناتجينِ عن الإعراض عن الدين ومعرفة أصول المعتقد، فمن تأوَّلَ في استهزائه بالدينِ أنَّه يقطع عناء الطريقِ ويهوِّنه على نفسِهِ فيتسمّح في الكلام كفر، كما حكم الله بكفر المستهزئين برسول اللهِ صلى الله عليه وسلَّم وإن تعلَّلوا بهذه العلَّة.
وثانيها: أن يكون تأويله في إباحة فعله، لا في كونه كفرًا مع علمه بتحريمه، فمن علم تحريم الاستهزاء بالدين وفعله كفرَ وإن لم يعلم أنَّ المستهزئ بالدين كافرٌ.
وثالثها: أن يكونَ تأويلُهُ مستندًا إلى فهمٍ للشريعةِ غلطٍ لا إلى هواهُ وظنونِهِ، فمن ظنَّ أنَّ فعله مشروعٌ فارتكبه، غيرُ من ارتكبه لهوىً رآه ورأى أنَّ فعله سيكون أنفع له أو لفلانٍ من الناس الَّذي يحبُّ منفَعَته، ولم يلتفت إلى تحريمٍ أو جوازٍ.
ورابعها: عدم قيام الحجّة عليه في تأويله وزوال الشُّبهةِ عنه بما تزولُ بمثلِهِ، فمن أُزيلت شبهته ودحضت حججه ثمَّ أصرَّ وعاندَ وبقي على ما هو عليه من الكفر فليس لتأويلِهِ معنًى.