جاء في التَّراجعات الأخيرة ذكرُ مَسألةِ التَّسلسُلِ في التَّكفيرِ، والتشنيع على المجاهدين بها وليست من مذاهبهم ولا عُرفت عنهم، والتسلسل في التكفير يعني التوسع في تكفير من لم يرتكب المكفر إلحاقًا له بكافرٍ آخرَ بشبهةٍ، ويستلزم تكفير الثاني تكفير ثالثٍ، إلى أن يصل إلى تكفير عموم المسلمين أو أكثرِهم دون أن يرتكبوا مكفّرًا ظاهرًا.
ويكون التسلسل في التكفير فرعًا على مسألةِ تكفيرِ الكافرِ، فيُكفِّرون من لم يكفّر كافرًا معيَّنًا، دون تفصيلٍ في ظهور كفرِهِ والتباسِهِ، ويلزمُ من ذلك أنَّ هذا الذي لم يكفّر الكافر يلزمُ الناس أن يكفِّروه فمن لم يكفّره فهو كافرٌ، ويتسلسلُ.
أو يكفّرون من تولَّى فلانًا الكافر، ومن لم يكفِّر المتولِّي له، ومن تولَّى ذلك المُتولِّي، ويتسلسل التكفير عندهم بعد ذلك.
وهاتانِ صورتان من صورِ الغلوِّ في التكفير، وغيرُها كثيرٌ كتكفير كلِّ من سكتَ عن الطواغيتِ، أو من عمل لديهِم في أي عملٍ بإجارةٍ ونحوِها، أو التكفيرِ بالدِّيارِ فيكفّر كل من هو تحت حكم طاغوتٍ أو يعيش في أرضِهِ.
وهذه المقالات إنَّما انتشرت وتسامعَ بها الناس لما فيها من الشُّنعةِ والباطلِ، وإلاَّ فالقائلون بها قليلٌ لا يكاد المتقفِّر يعثر لهم على أثرٍ، ولو تتبَّعتَ هؤلاء القليل ومقالاتهم ما وجدتَ من ردَّ عليهِم وكشف شُبُهاتِهِم إلاَّ أصحاب تحقيق التوحيد ممَّن يُوصمون بالتكفيرِ، فلا تجدُ ردًّا أمثلَ من ردِّ أبي محمَّدٍ المقدسيِّ فكَّ الله أسره على من غلا في التكفير في رسالته النافعة الموسومة ب"الثلاثينية في التحذير من الغلوِّ في التَّكفير".
وسببُ هذه الصور من الغلوِّ، عدم التفريق بين الكفر في العلميَّاتِ، والكفرِ في العمليَّاتِ، وعدم الفصلِ بينَ التَّكفيرِ باللازمِ، والتكفير بارتكاب المكفِّر، وسوء الفهم لبعض الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ وتنزيلها في غير مواضِعِها، أو تنزيلُ الأحكام دون النظر في الشروط المشترطة لتنزيلها، والموانعِ المانعةِ من ذلكَ.
ولكنَّ وجودَ من يقول بالتكفير المُتسلسِلِ لا يمنعُ من إجراءِ الحكمِ على من ثبتَ كفره، سواءٌ كان كفره بارتكابه المكفّر، أو كان بموالاته الكافر أو عدم تكفيره إيَّاه بعد استيفاء الشروط وانتفاءِ الموانعِ.
وإيرادُ مسألةِ التَّسلسُلِ على من حكم بكفرِ من كفَّرَهُ اللهُ ورسولُهُ إيرادٌ قديمٌ، وشبهةٌ مكرورةٌ، أُوردت على أئمَّة الدعوة النجديَّة وأجابوا عنها، وللمجدِّد الثاني عبد الرحمن بن حسنٍ رحمه الله جوابٌ مفصَّلٌ على هذا.
والغلاة في التسلسل استندوا في الأصل إلى قواعد صحيحةٍ، وأصولٍ معروفةٍ متفقٍ عليها في التكفير، وإنَّما غلطهم وغلوُّهم في تطبيقها وتنزيلها، فإنَّ من المعلوم عند أهل العلم المستعمل بينهم قاعدة: من لم يكفِّر الكافر فهو كافرٌ، والكلام في هذه القاعدة يطولُ، ولا يُنازع أحدٌ في صحَّةِ أصلِها، ولكنَّ محلَّها في من لم يكفِّر الكافر متبيِّن الكفر بعد قيام بيّنات كفره لديه وعلمه أنَّها كفرٌ.
وكذا تكفير من تولَّى الكافرَ وظاهره على المسلمين، قاعدةٌ صحيحةٌ ولا ريبَ، ولكنَّ محلَّها الكافر المتبيّن الكفر، والإعانة التي يعلم من يفعلها أنَّها إعانةٌ، وهذا في أحكام الأفرادِ، أمَّا الطوائفُ فلها أحكامٌ غيرُ هذهِ تُفصَّل في أطولَ من هذا المقام.