ظهرت عدّةُ تراجعاتٍ في هذا العصر ولدت في السجون وخرجَت فيها، أهمُّ ما يُذكرُ منها تراجع من تراجع من المشايخ والدعاة الّذين سُجنوا عام 1415، وكان تراجُعُ أكثرِ من تراجع منهم في السجن كما حدّث به ورواهُ من رافقهم في السجن، إلاّ أنَّهم لم يعلنوا شيئًا مما تراجعوا عنه إلاّ لخاصّةِ جلسائِهِم حتّى كان الحادي عشر من سبتمبر قبل عامينِ، فأظهروا كثيرًا مما تردّدوا فيه وجمجموا من قبلُ.
وتلا ذلكَ تراجعات الجماعة الإسلاميَّة في سجون مصرَ منذ أكثرَ من عامٍ وأُعلن تراجعهم وروّج له الطواغيتُ في كلّ بلدٍ وأكثروا من ترديده لحاجتهم إليه في تثبيت عروشهم وأنظمتهم الطّاغوتيَّة.
وآخرُ ما كان من التَّراجعات؛ تراجع من سُجن من المشايخ المُؤيِّدين للجهاد والمُجاهِدِينَ، وقد خرجَ للناس علنًا عليٌّ الخضير، وناصرٌ الفهدُ، وأعلنا تراجعهما على الملأ عن مسائل كثيرةٍ، حتّى وصل الأمر إلى قولِهِم بأنَّ الجهادَ في العِراقِ فتنةٌ وليسَت جهادًا، ونحو ذلك مما لا يحتاج إبطالُهُ إلى استدلالٍ.
والسجنُ بمفرَدِهِ إكراهٌ عند بعض أهل العلمِ كما صحَّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ليس الرجل بأمين على نفسه إذا سجن أو أوثق أو عذب، وقال بعضُهُم؛ إنَّ الإكراهَ يختلفُ باختلافِ الناس فمن الناس من يكونُ السجن في حقّه إكراهًا، ومن لا يراه من الإكراه، على أنَّ الثَّباتَ عزيمةٌ لمن أخذ بهِ، وقال بعض أهل العلم إنَّ من يُؤتمُّ به لا يُرخّص له فيما يُبيحُهُ الإكراهُ، وبه أخذ الإمامُ أحمدُ بن حنبلٍ رحمه الله ورضي عنه في فتنة خلق القرآن.
وإذا قُلنا إنّ السجن إكراهٌ فإنَّ ما خرج به المشايخُ المتراجعون في ظاهِرِ فعلِهِم يخرجُ عن حدّ الإكراهِ كما يأتي في ضبط ضوابط التكفير.
والحقُّ لا يُمكن أن ينحصر في السجون ولا تقوم حجّة الله به على أحدٍ حتّى يُسجنَ، ولا يُمكن الاستدلال عليه والدعوة إليهِ لمن كان طليقًا بعيدًا عن السجون، وسجون الطواغيتِ خاصَّةً أبعدُ عن أن تكون محلاًّ لظهور الحقِّ ينحصر الحقُّ ومعرفته فيه من غيرِهَا.
وإنّما الحالُ في التَّراجعات التي كانت في السجون أحدُ أمرينِ:
الأوّل: ترخّصُ من يترخّص لحال السجن.
الثاني: الاجتهاد الّذي يكون معه نوعُ هوىً.
وكلاهما سيأتي الحديثُ عنهُ في الفصل التالي إن شاء الله.