الصفحة 14 من 57

وكلُّ أحدٍ منَّا لو وكله الله إلى عقلِهِ وعلمِهِ وتدبيرِهِ وعزيمَتِهِ وقوّته طرفةَ عينٍ، كان أسرعَ إلى الضلال من السيل إلى منتهاهُ، وهذا واقعٌ في كلِّ الضالّين والمغضوبِ عليهِم، وكلهم الله إلى أنفسهم وشاء الضلال لهم، ورفع عصمتَهُ وتسديده عنهم فكانوا في ظلماتٍ يعمهون، {ومن يُضلِلِ اللهُ فما لهُ من هادٍ} ، {من يشأ اللهُ يُضلِلهُ ومن يشأ يجعلْهُ على صراطٍ مستقيمٍ} ، {من يهدِ الله فهو المُهتدي ومن يُضلِل فأولئكَ هُمُ الخاسرونَ} ، {من يهدِ الله فهو المهتدي ومن يُضلل فلن تجِدَ لهُ وليًّا مُرشِدًا} .

وفي الحديث القدسيِّ المشهور الَّذي خرَّجه مسلمٌ قال رسول الله صلى الله عليه:"يا عبادِي كلُّكم ضالٌّ إلاَّ من هديتُه"، وهذا المعنى من أظهر المعاني في كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولو لم يكن هذا واردًا، لم يكُن للتثبيت وسؤال الله الثباتَ معنىً، ولم يكُن للفتنة بالرغبة والرهبة أثرٌ ولم يَخَفْهُما الصالحون ويلحُّوا على الله بالسلامَةِ منها.

فإنًَّ الله يقول: {أحسبَ النَّاسُ أن يُتركوا أن يقولوا آمنَّا وهم لا يُفتنون؟ * ولقد فتنَّا الذين من قبلهم فليعلمنَّ الله الّذين صدقوا وليعلمنّ الكاذِبين} .

وقد ارتدَّ عن الإسلامِ وخرج من الملَّةِ، من ظاهر حالِهِ خيرٌ من المتراجعين مراتٍ عديدةً، فارتدّ ابن أبي السرح وهو من كتّاب الوحي، وغيرُهُ ممن صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتّى ذكر من ألّف في المصطلح مسألةً مشهورةً في حدّ الصحابيّ، هل يدخل فيه من ارتدّ بعد صحبته للنبي صلى الله عليه وسلّم ثم أسلم ومات مسلمًا أم لا؟

وهذه النازلة من التَّراجعات، وإن كُنَّا نرى فيها مصيبةً ومحنةً عظيمةً وفتنةً لمن لم يُثبّته الله، كما أنّا لا نعلم حقيقةَ ما حدثَ للمُتراجِعِينَ، هذه النازلةُ تُذكّرنا هذه المعاني، وأن يتوكّل العبد على الله ويسأله الثباتَ، ولا يعتمدَ على نفسِهِ أو يُعجب بما آتاه الله من علمٍ أو صدقٍ أو عزيمةٍ على الرُّشدِ، فكلُّ ذلك محضُ فضلِ الله، ولو شاء سلبَهُ العبدَ في ساعةٍ من الليل أو النهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت