كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم إنِّي أعوذُ بكَ من الحورِ بعد الكورِ، ومن الضلالِ بعد الهدى"، وفي هذا الدعاء منه صلى الله عليه وسلم موعظةٌ بليغةٌ لكلِّ مؤمنٍ، فهذا المعصوم المغفور له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّرَ يستعيذ بالله من الحور بعد الكورِ، ويخشاهُ على نفسِهِ، وما كان صلى الله عليه وسلم ليستعيذَ مما هو مستحيلٌ لا يُمكن أن يَقَعَ له، إلاّ تذلّلًا إلى الله واعترافًا له بمنّته في التثبيت، ولتأتسيَ أُمّتُهُ بهِ، والضلال بعد الهدى واردٌ في حقِّ أفرادِ الأمّة، ولا يعصم منه وفورُ عقلٍ، وحدّة ذكاء، وسعةُ علمٍ، إن لم يعصم الله العبد ويأخذ بناصيتِهِ إلى البرِّ والتَّقوى.
وإبراهيمُ إمام الحنفاء وأبو الأنبياء قال في دعائه: {واجنُبني وبنيَّ أن نعبُد الأصنامَ} ، ومن سؤال إبراهيم ربه الثبات دعوته {ربَّنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذرّيتنا أمَّة مسلمةً لك} ؛ فخشي على نفسه الرجوع إلى الشرك، وهو إمام الموحِّدين، وأبو الأنبياء، وهو الَّذي حاجَّ أهل الشِّرك في الأرضيَّات من عبدة الأوثان كمحاجّته والده وقومه، وأهل الشرك في السماويات من عباد النجوم، والطواغيت المدّعين للربوبيَّة كالنمرود، وأصول مناظرة جميعِ هؤلاء موجودةٌ فيما حكاه الله عنه، ومع رسوخه في معرفة التوحيد وبراهينه، كان يخشى على نفسه الشرك ويسأل الله أن يجعله مسلمًا، وأن يجنّبه عبادة الأوثان؛ فمن يأمن البلاء بعد الخليل؟ - كما كان يقولُ إبراهيمُ التَّيميّ -
وكثيرًا نقولُ: لا عصمةَ إلاّ لنبيٍّ، ونردّد أن الحيَّ لا تُؤمن عليه الفتنةُ، فالحور والضلال والانتكاسُ بل والرِّدَّة احتمالٌ واردٌ في كل أحدٍ بعد الأنبياءِ - عدا من بُشِّر بالثبات أو بالجنَّة -
ومع هذا وترديدنا له، إلاّ أنَّ عقولنا البشريَّة تكلُّ وتضعفُ عن فهمه وتصوّره حتّى تراهُ، ونحن نرى اليوم التغيُّر في المتراجعين مما لم يكن يُظنُّ ولا يخطرُ لأحدٍ ببالٍ، ولا يتصوَّرُ وقوعَهُ بحالٍ من الأحوالِ.
ومن توهَّم العصمةَ في الرجال وإن شرفوا وعظم قدرُهُم أُتيَ من هذا البابِ، ودخل عليه الضلالُ إذا رأى تغيُّر من تغيَّرَ وانتكاسَ من انتكسَ وضلالَ من ضلَّ منهم، ونازعَهُ الثّوابتَ الشكُّ والتوهُّم، ولامتناع العصمة في الرجال، سواء العصمة التامّة في كلّ الأمور والأحوال، أو العصمة في شيءٍ من الأعمال والأقوال؛ وجبَ التعلُّقُ بالحقِّ، ومعرفةُ الرِّجالِ بهِ، فمن علمتُهُ اليومَ موافقًا للكتاب والسُّنَّة كنتُ معَهُ حيثُ هو معهما، ولم أتّخذه دليلًا لمعرفتي بصدقِهِ اليومَ وأنا لا آمنُ تغيّره غدًا، بل يُعرف الرِّجالُ بالحقّ ولا يُعرف الحقُّ بالرِّجال.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"القلوبُ بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء"، وكان من دعائه صلوات الله وسلامه عليه:"اللهم يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك".
ومن لم يقبل عقلُهُ تغيُّر فلانٍ من الناس، فلأنّ عقله خلا من إدراك هذا الحديث وتصوّر معناه، وكلُّ من بعد الأنبياء يُتصوّرُ فيهِ الضلال بجميع مراتبِهِ إن لم يعصمه الله.