من الأخلاق والصفات والخصال الدالّة على كرم النفس وسموِّها خصلةُ الإنصافِ مع الصديق والعدوِّ، بل مع المسلم والكافر كما قال عزّ وجلَّ: {ولا يجرمنَّكم شنآنُ قومٍ على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتَّقوى} ، وهذه الصِّفَةُ من أعزِّ الصفات وأقلِّها، والحال كما قال الذهبي:"الإنصافُ عزيزٌ".
وليس معنى الإنصافِ اللينُ مع كلّ مخالفٍ، أو التسهيل من أمر كلِّ مخالفةٍ، وإنّما الإنصافُ أن تُعطي ذا الحقِّ حقَّه، فتُنصفُ الكافرَ وإن حلَّ لك دمُهُ، بإثباتِ ما عنده من حقٍّ، وعدم الكذب عليه والافتراءِ وجحود خصالِ الخيرِ عندَه أو نسبة شيءٍ إليه لم يفعلهُ ولم يقله.
والإنصافُ الواجبُ في التَّراجعات على وجهين:
إنصافٌ لكلِّ أحدٍ: بالصدق في حكاية قولِهِ، والتثبّت في نسبة المقالاتِ إليهِ، وفهمِ دعواه وبيّنتِهِ، أيًّا كان المخالف وأيًّا كان خطؤه أو ضلاله، والتزام حدود الشريعةِ في معاملتِهِ.
وإنصافٌ للمخالف من أهل القبلةِ: فلا يدفعُ قولُهُ ولو شطَّ في الباطل إلى البراءةِ الكاملة منه، ما لم يرتكب مكفّرًا، بل يبقى له أصلُ أُخُوَّةِ الإسلامِ، والموادّةِ على التّوحيدِ.
ثمَّ يُفرّق في قولِهِ بينَ أن يكون قولُهُ ممعنًا في الباطِلِ والضَّلالِ، بعيدًا عن سُنَنِ الهُدى ومآخذ الأقوال المعروفة في الشريعةِ؛ فلا يُحكى قولُه إلا مردودًا محذّرًا منه.
وأن تكون المسألة التي قال بها مسألةً اجتهاديَّةً لا تصادم نصًّا قطعيًّا أو إجماعًا مستبينًا، ولا تنقض أصلًا من أصول الشريعةِ الثابتةِ، ويكون لقوله وجهٌ من الاجتهاد، ومأخذ قويٌّ من الكتاب والسنَّةِ بفهم السلف في مسألة النزاعِ، فالإنصاف الواجب تجاهه إعطاؤه حقَّهُ في الاجتهادِ، وعدم التثريبِ عليهِ والنكيرِ، بل يُقال: إنَّهُ مجتهدٌ بين الأجر والأجرينِ.
أمَّا المتراجعون فقد خلا حديثُهُم من الإنصاف حتّى كأنَّهم ما سمعوا بهِ، فما تركوا للمجتهدين وجهًا من الاجتهاد، وجحدوا استدلالاتهم ومآخذَهُم جحودًا تامًّا، فعند الحديثِ عن المعاهَدِ وعهدِهِ استندوا إلى النصوص العامَّةِ الظَّاهِرِ خروجُ المسألةِ عنها، أو المُتنازع في كونها من أفرادِها، وكذا في الحديثِ عن التكفيرِ وغيرِ ذلِكَ مما يردُ في تضاعيفِ البحثِ.
ومن مظاهر انعدام الإنصافِ في التَّراجعات: تسمية المجاهدين خوارج، أو اللحن بذلك لحنًا ولمزهم به لمزًا خفيًّا، فيُقال أمّا القول بكذا فهو قولُ الخوارِجِ، مع علمِهِم أنّ هذا القول لا يقول به المجاهدون الّذين هم محلّ الحديثِ ولا يأخذون به، وتمويههم بذكر قولين في المسألةِ أحدهما قول السلطانِ الّذي يُريدُهُ والآخرُ قولُ الخوارِجِ، ويُعرضون إعراضًا تامًّا عن القول الوسطِ الحقِّ الّذي وفّق الله إلى الأخذِ به المجاهدين.