وبرقم (5485) عَنِ ابْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ بِمَكَّةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَعَهُ فَقَالَ أَبِى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ مَثَلَ الْمُنَافِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالشَّاةِ بَيْنَ الرَّبِيضَيْنِ مِنَ الْغَنَمِ إِنْ أَتَتْ هَؤُلاَءِ نَطَحْنَهَا وَإِنْ أَتَتْ هَؤُلاَءِ نَطَحْنَهَا » . فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ كَذَبْتَ. فَأَثْنَى الْقَوْمُ عَلَى أَبِى خَيْرًا أَوْ مَعْرُوفًا. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لاَ أَظُنُّ صَاحِبَكُمْ إِلاَّ كَمَا تَقُولُونَ وَلَكِنِّى شَاهِدٌ نَبِىَّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ قَالَ « كَالشَّاةِ بَيْنَ الْغَنَمَينِ » . فَقَالَ هُوَ سَوَاءٌ. فَقَالَ هَكَذَا سَمِعْتُهُ. ( وفيه ضعف )
وبرقم (11467) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ) قَالَ قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى خَتَمَهَا وَقَالَ النَّاسُ حَيْزُ وَأَنَا وَأَصْحَابِى حَيْزُ وَقَالَ « لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ » . فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ كَذَبْتَ. وَعِنْدَه ُرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَهُمَا قَاعِدَانِ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ لَوْ شَاءَ هَذَانِ لَحَدَّثَاكَ وَلَكِنْ هَذَا يَخَافُ أَنْ تَنْزِعَهُ عَنْ عِرَافَةِ قَوْمِهِ وَهَذَا يَخْشَى أَنْ تَنْزِعَهُ عَنِ الصَّدَقَةِ. فَسَكَتَا فَرَفَعَ مَرْوَانُ عَلَيْهِ الدِّرَّةَ لِيَضْرِبَهُ فَلَمَّا رَأَيَا ذَلِكَ قَالُوا صَدَقَ. ( حديث حسن)
وفي البخاري ( 5835 ) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْحَرِيرِ فَقَالَتِ ائْتِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَلْهُ . قَالَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ سَلِ ابْنَ عُمَرَ . قَالَ فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو حَفْصٍ - يَعْنِى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِى الدُّنْيَا مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِى الآخِرَةِ » . فَقُلْتُ صَدَقَ وَمَا كَذَبَ أَبُو حَفْصٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - .
وفي سنن البيهقي ( 4696) عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَهُ الصُّبْحُ فَلاَ وِتْرَ لَهُ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ: كَذِبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصْبِحُ فَيُوتِرُ. ( وهو صحيح) وغير ذلك كثير
أقولُ: فإذا كان هذا واردا عن خيرة الناس وهم الصحابة مع اتفاقنا على عدالتهم فكيف بمن جاء بعدهم؟!!
فالمقطوع أنه ما زال العلماء يردُّون على بعضهم ويخطِّئون بعضهم من عصر الصحابة حتى سائر العصور الإسلامية. فكيف يقال بعد هذا أنَّ السلف الصالح قد اتفقوا على أن خبر الواحد يفيدُ العلم؟!!
فهذا غير صحيح عن السلف، ولا أساس له من الصحة، بعد أن أوردنا هذا الأدلة القاطعة عن الصحابة رضي الله عنهم ما يدحضه جملة وتفصيلًا
وأدلة الدين ثبتت بأدلة قطعية وأصول الدين ثبتت بأدلة قطعية، وإنما كانت التفاصيل بأمور ظنية أعني بأخبار آحاد، ومن ثمّ وقع الخلاف الكبير بين أهل العلم في شرط العمل بها، وخير مثال على ذلك الرسالة القيمة لشيخ الإسلام ابن تيمية"رفع الملام عن الأئمة الأعلام", وكذلك واجب على القاضي الحكم بقول الشاهدين ونحو ذلك من أدلة ومع هذا قد يكون حكمه خطأ فقد يكذب الشاهدان ونحو ذلك ،ففي البخاري عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - - قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِىَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلاَ يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّار» [1]
وهذا مثل الشهادة تماما، والوسوسة تحدث عندما يشكُّ في الخبر، أما وقد وثق بناقله فلا وسوسة أصلًا.
ثم أضاف أنهم مع توقفهم في صحة أخبار أولئك الثقات من السلف يصدقون بما تلقوه عن رؤوس الجهمية والمعتزلة، من تلك الأدلة يزعمونها براهين عقلية، وهي في الحقيقة خيالات وتمويهات، ولكنها مع ذلك تفيد العلم عندهم. وما ذاك إلا لثقتهم بمشايخهم الذين علموهم تلك القواعد، مع أن المرجع فيها غالبًا إلى الفلاسفة، وضلال الصابئة والمجوس واليونان، ونحوهم من الكفرة. فلم يعطوها حكم الآحاد الذي جعلوه للأخبار النبوية، وهو كونها مظنونة متوقفًا في ثبوتها. [2]
قلت:
لم يتوقفوا في صحة خبر الآحاد وإنما بإفادته العلم، وهناك انفكاك بينهما.
وعلم الكلام فيه أدلة قطعية عقلية منطقية، وفيه أدلة ظنية وفيه أدلة موهومة فليس كله مذموم, وليس المرجع فيها غالبا إلى الفلاسفة وضلال الصابئة والمجوس واليونان، بل المرجع فيها غالبا هو القرآن والسُّنَّة, وغالب علماء الأمة كانوا على ذلك، فهل كلهم أخذوا علمهم هذا عن الفلاسفة، وضلال الصابئة والمجوس واليونان؟!
فهذه تهمة خطيرة جدا لأولئك الأخيار الأبرار الذين أفنوا عمرهم في خدمة هذا الدين .
ثم قال:"إنهم يتحققون نسبة أقوال أئمتهم إليهم، ويجزمون بكونها مذاهب لهم، ويجادلون عنها ويتفاوتون في نصرتها؛ ولو شك فيها أحد لأنكروا عليه واستجهلوه. مع أن نقلها عن أولئك الأئمة إنما كان عن طريق الآحاد. ومع ما يوجد بينها من التضارب والتناقض أحيانًا مما يوضح أن قد دخلها الوهم والتغيير. ولم يكن شيء من ذلك سببًا لتوقفهم فيها، ولم يعطوها حكم الآحاد في أنها مظنونة لا تفيد اليقين".
قلت:
غالب المذاهب المتبوعة نقلت بالتواتر عن أصحابها ،وكثير منها آحاد، ولكن فيها عناية كاملة من الأتباع جيلا عن جيل بعكس المذاهب غير المتبوعة فقد ضاع كثير منها.
وإذا صحَّ هذا الزعم فلم لا يكون نقلك عن السابقين وأنهم يقولون بأن خبر الآحاد يفيد اليقين هو من هذا القبيل، حيث تنقل أقوالا غير دقيقة ولا متواترة عن أصحابها.
والوهم والخطأ دخل للسنَّة أيضا كما هو معلوم وإلاّ فلم وجدت كلّ هذه العلوم لخدمتها وتنقيتها مما علق بها؟.
ثم قال:"أن من المتيقن عندهم أيضًا نسبة المؤلفات التي بأيديهم في سائر العلوم إلى أهلها، وإضافة ما نقلوه منها إلى من اشتهرت باسمه عن طريق الجزم، مع استمرار العزو إليها وإلى مؤلفيها، مع أنها لم ترو في الغالب عن أربابها إلا بأسانيد محصورة لا تخرج عن كونها آحادًا.ولم يوجد من ينكر صحة نسبتها أو يعطيها أحد حكم الآحاد...". [3]
قلت:
هذه الشبهة تؤكد أنّ خبر الآحاد لا يفيد القطع واليقين بحد ذاته، فلا بد له من مرجحٍ خارجيٍّ, لأنه قد طرأ عليه ما طرأ عليها تماما ولا فرق بينهما.
وقال:"ما هو متداول بين المسلمين وغيرهم من نسبة كل قول إلى قائله، وقبوله ممن نقله وإن كان واحدًا، ومعاملة قائله بموجبة مدحًا أو ذمًا. وهذا ما لا يمكن إنكاره؛ ولم يسمع أن أحدًا قال: إنه لا يفيد العلم، أو لا يصدق باطنًا، كما جعلوا ذلك لخبر الآحاد في الحديث النبوي".
قلت:
الشبهة واردة على الأمرين كليهما تماما، كما أنّ هناك فرقا بين جزمنا بقول فلان من الناس وبين جزمنا بقول قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - دون تثبت ولا برهان.
ثم قال:"اعتماد كل تلميذ على أنواع العلوم التي يتلقاها عن شيخه، واعتقادها، والتفريع عليها، والذب عنها، مع أن أستاذه فيها واحد، نقلها عمن فوقه، وقد يكون أيضًا واحدًا. ولكن لثقته بشيخه، ومعرفته منه الصدق والعدالة، لم يوجد منه التوقف فيها، ولا قال أحد إنها لا تفيد إلاّ الظن. فلو أعطاها هؤلاء حكم الآحاد الذي زعموه للأخبار النبوية لما كانوا على يقين من علومهم العقلية والنقلية ولا محيص لهم من أحد أمرين:"
أ- الاعتراف بأنّ جميع ما تعلموه وما يعتقدونه كله ظن.
ب- القول بأنّ علماءهم امتازوا عن سلف الأمة ونقلة الحديث وفضلوهم، بحيث صار خبر علمائهم يفيد اليقين، وخبر المحدثين عن نبيهم مهما بلغوا من الصدق والثقة والحفظ والديانة إنما يفيد الظن، وهذه مباهتة، يردها العقل وواقع الأمر. [4]
قلت:
هذه الشبهة تناقش بها مشايخك أنت أولا قبل غيرهم، فأنتم لا تأخذون العلم إلاّ عن مشايخكم وتظنون أنّ الحقَّ دائما معهم ،ولو خالفوا جمهور الأمة، وتدافعون عنهم دفاع المستميت كدفاعكم عن ابن باز وابن عثيمين والألباني وكأنهم معصومون, وتعتقدون أنّ من خالفهم فهو جهمي أو رافضي أو معطل ونحو ذلك من التهم الجاهزة عندكم, فأنتم أولى الناس بأن تمحصوا أقوال مشايخكم وعرضها على الكتاب والسُّنَّة, ونحن لا ننكر أنّ كلّ جماعة تتعصب لشيخها أو زعيمها أو رئيسها ونحن ننكر هذا التعصب الذميم من الجميع ولا نقبل به من أح،د ولم نجد في عصرنا قوما تعصبوا لمشايخهم مثل تعصبكم أنتم.
وقال أيضًا:"إن كل عاقل يضطر إلى الجزم بخبر العدل بعقله، وإن أنكر ذلك بلسانه عنادا ً، وشاهد الحال أوضح برهان على ذلك؛ فإن الإنسان يسمع خبرًا بقدوم صاحبه أو قريبه فيتلقاه من بعيد، أو يزوره، مع ما يناله في ذلك من المشقة أحيانًا أو الانقطاع عن العمل، ويعمل بخبر رسول صاحبه إليه فيعطيه ما طلبه ولو نفيسًا، وقد يذهب معه تاركًا أعماله وأمواله ولو خالجه شك أو توهم في صدق هذا الخبر لما أقدم على إنهاك بدنه،...". [5]
قلت:
لا بد من التفصيل، فليس كلّ خبر يصدَّق فلا بد من القواعد والضوابط والقرائن كذلك .
ولكن هناك فرق بين خبر دنيوي لا يترتب عليه أحكام شرعية وبين خبر يترتب عليه أحكام شرعية، فالمساواة بينهما فيها تحكُّم واضح, وإلاّ فلم قال الله تعالى لنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} الحجرات:6.
ثم قال:"ما هو متواتر عن السلف والمحدثين وغيرهم من جزمهم بالأحاديث النبوية كثيرًا، وإضافتها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تصريحًا، وحكمهم بصحة ما ثبت عندهم منها، وهكذا تفريقهم عند نسبتها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الصحيح والضعيف والمشكوك فيه، بحيث يذكرون الأول بصيغة الجزم، والثاني بصيغة التمريض، مما هو صريح في قطعهم بالصحيح، وعلمهم بصدوره عمن نسب إليه. ولو كان الجميع سواء في إفادة الظن لما فرقوا بينهما بما ذكر...".
قلت:
هناك انفكاك بين المسألتين كبير هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا بدّ من القرائن التي تجعلنا نقول: إنّ حديث الآحاد يفيد اليقين, كما أنّ التصحيح والتضعيف أمر اجتهادي فقد يجزم العالم الفلاني بصحة خبر ما ولا يجزم به عالم آخر، وليس هذا بحجة على ذاك, وإذا كان يفيد اليقين فلا يجوز أن نختلف فيه أصلا, لأننا في هذه الحال نقوّل العلماء ما لم يقولوا، فإذا كان كثير منهم ينازع في أحاديث الصحيحين هل تفيد القطع أم غلبة الظن فكيف بغيرها إذا؟.
وقال أيضًا:"إجماع سلف الأمة وأئمتها من الصحابة ومن بعدهم من علماء الأمة في كل زمان ومكان على تلقي هذه الأخبار بالقبول، والعمل بها، وترك الآراء والمذاهب لأجلها، ومَن ردَّ منها شيئًا اشتغل بتأويله وصرفه عن ظاهره لئلا يرد عليه مما يدلُّ على تصديقه لها...". [6]
قلت:
الإجماع حاصلٌ على وجوب العمل بالسُّنَّة عموما، وليس الإجماع حاصلا على أن أحاديث الآحاد تفيد القطع واليقين بتاتا ، فهذا قول بلا برهان.
وأما أحاديث الصحيحين فلم يتفق العلماء على أن ما فيهما يفيد القطع واليقين وإن قال ذلك الأكثر، وهذا يدلُّ على أنها بذاتها لا تفيد القطع واليقين إلا بقرينة خارجة عنها، وهذا بعكس ما تقول تماما, وهذا ما نرجحه في هذه المسالة الجلل مع تفصيل لنا.
ثم قال:"الدليل السمعي المتفق عليه، وهو ما في القرآن من ذم أهل التخرص والظن، والنهي عن القول على الله بلا علم، كقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} الإسراء:36."
وقوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} الأعراف: 33... وأمثال هذه الآيات كثير.
لقد تضمنت هذه الآيات النهي عن القول على الله في دينه بلا علم، وعن اتباع الإنسان ما ليس له به علم، والنهي عن التعبد بموجب الظن وما تهواه النفس، وأخبر أن هذا الظن ليس من الحق في شيء.
وما زال المسلمون في كل زمان ومكان يفتون بموجب هذه النصوص وإن كانت آحادًا، ويحلِّون بها أشياء ويحرِّمون أشياء، ويعاقبون على تركها، ولو كانت إنما تفيد الظن عندهم لدخلوا تحت قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} النحل:116.
فالقائلون بأنها ظنية ويجب العمل بها، يلزمهم القول بأن الله أمر بما نهى عنه، وما ذمَّه في هذه الآيات، حيث أوجب أن نحكم في دينه وشرعه بأدلة متوهمة، وقد نهانا عن التخرص في الدين، وأخبر أنه خلاف الهدى الذي جاءهم من ربهم، وإذًا فلا فرق بين أهل الظن وبين أولئك المشركين الذين قال الله فيهم: { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} الأنعام: 148.
وقد نهى الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقفوا ما ليس له به علم، بل جعل القول عليه بلا علم في منزلة فوق الشرك، كما في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (33) سورة الأعراف ، حيث ترقى من الأسهل إلى الأشد، فبدأ بالفواحش، ثم بالإثم وهو أشد، ثم بالبغي وهو أعظم من الإثم، وبعده الشرك أشد منه، ثم القول على الله بلا علم، فأيُّ ذم أبلغ من هذا. [7]
وقد تكلف بعض المتكلمين الجواب عن هذا الدليل، فذكر الآمدي وجهين في ذلك وهما:
1-أن العمل بالآحاد عمدته الإجماع على وجوب العمل بها، لا خبر الواحد، وهذا الإجماع قطعي الدلالة لا ظني.
2-حمل هذه الآيات على ذم الظن والتخرص في أمور الاعتقاد، وما لا بد فيه من اليقين.
والجواب عن الأول: أنه وافق على وقوع الإجماع، وقد بينا أن الإجماع دليل القطع بالنص المجمع على العمل به.
والجواب عن الثاني: أنا نمنع التفريق بين الأصول والفروع، وسيأتي إن شاء الله أن الأصول مما تثبت بالآحاد، فالنهي عن الظن على عمومه في الجميع، ويراد به ما لم يكن مبنيًا على دلائل وأمارات توجيه، بل هو مجرد وهم وتخمين اهـ.
قلت:
ردك غير كاف عليهما، وهناك فرق كبير بين الوهم وبين غلبة الظن ولا يمكن التسوية بين الأصول والفروع، فلا يمكن أن تثبت أصول الشريعة بأحاديث آحاد وإنما تثبت بالمتواتر والمشهور فقط ليس إلاّ، والتسوية بين الأصول والفروع في موضوع إثباتها هو جهل كبير بحقيقة الدين, وقد ذكرنا تفسير بعض أهل العلم لبعض هذه الآيات فليرجع إليه.
وقال أيضًا:"ما اشتهر عن الصحابة رضي الله عنهم من قبولهم للآحاد وتصديقهم بها، كما اشتهر عن أهل قباء من تحولهم إلى جهة الكعبة وهم في الصلاة، اعتمادًا على خبر واحد، وهو من أوضح البراهين على حصول العلم لهم بصدقه، وإلا لما انصرفوا عن قبلة قد تحققوها اعتمادًا على خبر لا يوجب إلا الظن. [8] "
قلت:
هناك تفصيل في الأمر، فقد أوردنا روايات كثيرة صحيحة ترد هذا الزعم فلا بد من القرائن حتى يقبل الخبر.
وقال أيضًا:"ما اشتهر عن الصحابة والسلف من الشهادة على الله وعلى رسوله بموجب هذه الأخبار، ولا شك أنهم لا يشهدون بما لا يعتقدون صحته."
وقد قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} ًالبقرة: 143. فوصفهم بأنهم وسط أي عدول خيار، وبأنهم يشهدون على الناس، أي بأن الله أمرهم بكذا، وفرض كذا، وبلغهم دينه وأزال عذرهم. فشهادتهم بهذه الأخبار عن نبيهم توجب صدقهم اليقين بما قالوه لما عرف من عدالتهم، وتورعهم عما فيه شك أو تردد. [9]
قلت:
هذا صحيح من حيث الجملة، ولكننا لم نسمع هذه الأخبار من الصحابة مباشرة فبيننا وبينهم مفاوز، فنحن- وإن اتفقنا على عدالة الصحابة- لم نتفق على عدالة من بعدهم حتى تصح هذه الدعوى ، وإلا لما نشأ علم الجرح والتعديل !!.
وقال أيضًا:"قوله تعالى: { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} النحل:43، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} التوبة:122، ولولا أن جواب أهل الذكر، وإنذار الطائفة قومها يفيد العلم لما أمر به ، فإن أهل الذكر يعمُّ ما لو كان واحدًا، والطائفة تعم الواحد، والإنذار هو الإعلام بما يفيد العلم ليحصل الحذراهـ."
قلت:
ليس في هذه الآية دليلٌ قاطع على أن خبر الواحد يفيد اليقين بمجرده
وقال أيضًا: ما تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعثه الآحاد إلى أطرف البلاد، ليبلغوا عنه ما أمره الله بتبليغه من الدين، وليعلموهم شرائع الله. ولولا أنّ أخبارهم تفيد العلم لم يحصل البلاغ، ولحصل التوقف من المدعوين، ولم ينقل أنّ أحدًا منهم قال لمن علَّمه شيئًا من الدِّين، أو طلب منه جزية، أو زكاة أو نحوها: إن خبرك لا يفيد العلم، فأنا أتوقف حتى يتواتر الخبر بما ذكرت. وقد اكتفى - صلى الله عليه وسلم - بتبليغهم عنه، وتعليمهم ما أمر الله به. [10]
قلت:
هذا صحيح من حيث الجملة بالنسبة للصحابة الذين رباهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومع هذا فقد ردَّ بعضُ الصحابة أخبار بعض الصحابة كما ذكرنا .
وفي مقدمة مسلم: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّة فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ. (صحيح)
وقال أيضًا:"إن الله أمر بردِّ ما يحصل فيه النزاع إليه وإلى رسوله في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} النساء:59، وقال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النور:63."
والردُّ إلى الرسول هو الردُّ إليه في حياته، وإلى سنَّته بعد موته، ولو كانت سنَّته إنما تفيد الظن لم ينفصل النزاع بالرد إليها...
ولو كان أمره الوارد في هذه الأخبار لا يفيد يقينًا لكان المخالف له معذورًا عندهم، وهو خلاف الإجماع كما تقدم. [11]
قلت:
هذا لا يفيد أنها تفيد اليقين ، والردُّ لسنته - صلى الله عليه وسلم - إجمالا يفيد القطع واليقين، ولكن أخبار الآحاد تختلف عن هذا، بدليل مخالفتهم لها من الصحابة فما بعدهم ، فلو كانت تفيد اليقين لكفروا بمخالفتها أو إنكارها ، وهذا لا يقول به أحد يعوَّل على قوله.
(1) - البخاري, حديث: ( 6967 )
(2) - أخبار الآحاد في الحديث النبوي, عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الجبرين, ص26.
(3) - أخبار الآحاد في الحديث النبوي, عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الجبرين, ص26.
(4) - أخبار الآحاد في الحديث النبوي, عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الجبرين, ص27.
(5) - أخبار الآحاد في الحديث النبوي, عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الجبرين, ص28.
(6) - أخبار الآحاد في الحديث النبوي, عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الجبرين, ص28.
(7) - أخبار الآحاد في الحديث النبوي, عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الجبرين, ص29.
(8) - أخبار الآحاد في الحديث النبوي, عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الجبرين, ص28.
(9) - أخبار الآحاد في الحديث النبوي, عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الجبرين, ص29.
(10) - أخبار الآحاد في الحديث النبوي, عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الجبرين, ص29.
(11) - أخبار الآحاد في الحديث النبوي, عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الجبرين, ص29.