الصفحة 173 من 704

القول في منافع الشراب ومضارّه وصنوفه: الشراب المسكر يسخن البدن، ويعين على هضم الطعام في المعدة، وسرعة تنفيذه إلى الكبد، وجودة هضمه، وتنفيذه إلى العروق وسائر البدن، ويسكن العطش إذا مزج بالمَاء ويخصِب البدن متى شرب على أغذية كثيرة الغذاء، ويحسن اللون، ويدفع الفُضول جميعَها، ويسهل خروجها من البدن، بالنجو والبول والعرق، والتحلل الخفيّ الذي بالمسامِّ، ويخرج الصفراء أيضًا في البول يومًا فيومًا، فيَمنَع أن يَكثر كميتها وكيفيتها، فهو لذلك عون عظيم على حفظ الصحة، إذا شرب على ما ينبغي، ويصلح وقتًا وقتًا بالقدر المعتدل، الذي تعهده الطبيعة، وتستولي عليه، ويطيب النوم ويثقله، فتستريح لذلك آلات النفَس راحة أكثر من راحتها عند النوم على غير الشراب، فيكون البدن من بعد ذلك النوم أقوى، والجراحات أخفّ، والحواس أذكى، والهضم أجود. ومن تركه ممن يعتاده بَرَد بدنه، وهاجت به الأمراض السوداوية، وضعُفت هضومه كلها، والمقدار الذي يُنتفع به في هذه الوجوه ثلاث كميات: أولها: أن يُشرب بعد الطعام بقدر ما يسكن العطش سكونًا تامًا، ولا يزاد غير ذلك من تفريح النفس وإطرابها، وهذا هو الحد للمحرورين، ولأصحاب الأبدان الملتهبة جدًّا، ولمن يحمّ ويحمي جسمه عليه. والحد الثاني: أن يؤخذ منه إلى أن يبلغ أن يَسُرَّ النفس ويطربها، باعتدال في ذلك، من غير ثقل في الرأس والحواس، ولا يميل إلى النوم الشديد. وأما ما جاوز ذلك إلى لَجْلَجة اللسان، وفقد صحة العقل، واضطراب مفاصل البدن، وضعفها عن الحركات، فإنها حالة السكر، وذلك ضار في وجوه كثيرة، ولا سيما إذا تواترت وتردافت. وقد ينفع إذا كان في الشهر مرة أو مرتين، فإن هذه الحالة تسخن البدن وترطبه، وترقق أخلاطه، وتفتح مجاريه، وتحلل كل ما بدأ ينعقد إذا لم يشرب المَاء في ذلك اليوم. ومما يحفظ الصحة أن يشرب الخمر يومًا، والمَاء يومين أو ثلاثة؛ وأما تواتر السكر، وشُربه على الخُمار، فجالب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت