ولما نظر نبي اللّه موسى عليه السلام إلى صورة بشرية هجمت عليه من غير إذن تريد نفسه وتقصد هلاكه، وهو لا ينتبه معرفة، ولا يستيقن أنه ملك الموت، ورسول رب العالمين، فيما يراوده منه، عمد إلى دفعه عن نفسه بيده وبطشه، فكان في ذلك ذهاب عينه، وقد امتحن غير واحد من الأنبياء صلوات اللّه عليهم بدخول الملائكة عليهم في صورة البشر، كدخول الملكية على داود عليه السلام في صورة الخصمين، لما أراد اللّه عز وجل من تقريعه بذنبه إياه، من فعله وتنبيهه على ما لم يرضه، وكدخولهم على إبراهيم عليه السلام حين أرادوا إهلاك قوم لوط عليه السلام، فقال: قوم منكرون، فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً «1» وكان نبينا صلوات اللّه عليه أول ما برئ بالوحي يأتيه الملك فيلتبس عليه أمره، ولما جاءه جبريل عليه السلام في صورة رجل فسأله عن الإيمان لم يتبينه، فلما انصرف عنه تبين أمره فقال: هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم «2» وكذلك كان أمر موسى عليه السلام فيما جرى من مناوشته ملك الموت وهو يراه بشرا فلما عاد الملك إلى ربه عز وجل مستثبتا أمره فيما جرى عليه، رد اللّه عز وجل عليه عينه وأعاده رسولا إليه بالقول المذكور في الخبر الذي رويناه، ليعلم نبي اللّه صلوات اللّه عليه إذا رأى صحة عينه المفقودة، وعودة بصره الذاهب، أنه رسول اللّه بعثه لقبض روحه، فاستسلم حينئذ لأمره، وطاب نفسا بقضائه، وكل ذلك رفق من اللّه عز وجل به، ولطف منه في تسهيل ما لم يكن بد من لقائه، والانقياد لمورد قضائه، قال وما أشبه معنى
-قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي في القسامة 48 والدارمي في الديات 23 وأحمد بن حنبل في المسند 2: 266 (حلبي) .
(1) سورة هود آية 70.
(2) الحديث أخرجه الإمام مسلم في كتاب الإيمان 1 باب بيان الايمان والاسلام والإحسان 1 (8) بسنده عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن حاجين أو معتمرين فقلنا لو لقينا أحدا من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر فوفق لنا عبد اللّه بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي قال: وذكره.