قال الشيخ رضي اللّه عنه: أما المتقدمون من أصحابنا فإنهم لم يشتغلوا بتأويل هذا الحديث، وما جرى مجراه، وإنما فهموا منه ومن أمثاله ما سيق لأجله من إظهار قدرة اللّه تعالى وعظم شأنه. وأما المتأخرون منهم فإنهم تكلموا في تأويله بما يحتمله فذهب أبو سليمان الخطابي رحمه اللّه إلى أن الأصل في هذا وما أشبهه في إثبات الصفات أنه لا يجوز ذلك إلا أن يكون بكتاب ناطق أو خبر مقطوع بصحته، فإن لم يكونا فبما يثبت من أخبار الأحاديث المستندة إلى أصل في الكتاب أو في السنة المقطوع بصحتها، أو بموافقة معانيها. وما كان بخلاف ذلك فالتوقف عن إطلاق الاسم به هو الواجب. ويتأوّل حينئذ على ما يليق على ما يليق بمعاني الأصول المتفق عليها من أقاويل أهل الدين والعلم مع نفي التشبيه فيه. هذا هو الأصل الذي نبني عليه الكلام ونعتمده في هذا الباب. وذكر الأصابع لم يوجد في شيء من الكتاب ولا من السنة التي شرطها في الثبوت ما وصفناه. وليس معنى اليد في الصفات بمعنى الجارحة حتى يتوهم بثبوتها ثبوت الأصابع، بل هو توقيف شرعي أطلقنا الاسم فيه على ما جاء به الكتاب من غير تكييف ولا تشبيه، فخرج بذلك عن أن يكون له أصل في الكتاب أو السنة أو أن يكون على شيء من معانيها. وقد روى هذا الحديث غير واحد من أصحاب عبد اللّه من غير طريق عبيدة، فلم يذكر فيه قوله:
«تصديقا لقول الحبر» .
قال الشيخ: قد روينا متابعة علقمة إياه في ذلك في بعض الروايات عنه.
قال أبو سليمان: واليهود مشبهة، وفيما يدعونه منزلا في التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه ليس القول بها من مذاهب المسلمين، وقد ثبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بما أنزل اللّه من كتاب» «1» . والنبي صلى اللّه عليه وسلم أولى الخلق بأن
(1) الحديث أخرجه البخاري في كتاب التوحيد 7542 عن طريق محمد بن بشار عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرية ويفسرونها بالعربية لأهل الاسلام فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وذكره. وأخرجه أيضا في كتاب الشهادات 29 وكتاب التفسير سورة 2: 11 وكتاب الاعتصام 25، وأبو داود في كتاب العلم 2.