أولًا: إن اعتماد هذا الأصل للترجيح بين المذاهب الفقهية غير معتبر، ولم يذكر في كتب أصول الفقه ولا غيرها أصلًا للترجيح؛ لما سيأتي من أسباب.
أما ما ذكر في كتب رسم المفتي من أنه إذا صحح قولان في المذهب فإن المفتي يختار أي منهما للفتوى، وذلك إذا لم يكن لأحدهما مرجح قبل التصحيح أو بعده، وذكر العلامة ابن عابدين (( 1) عشرة من هذه المرجحات: السادس منها: (( ما إذا كان أحد القولين المصححين قال به ( المشايخ العظام، ففي (( شرح البيري على الأشباه والنظائر ) ): إن المقرر عن المشايخ أنه متى اختلف في المسألة، فالعبرة بما قاله الأكثر )) .
وهذا يختلف عن هذا الأصل؛ لأن كلَّ مذهب له أصوله التي صار عليها المجتهدون فيه، فالخلاف فيه منبثق في التخريج من فرع، أو البناء على أصل، وهكذا، ونحن لا نملك إلا أخذ ما اعتبره المجتهدون في المذهب، فلما صحيح أكثر من قوله فيه عرف أن استناد كل منها معتبر وصحيح على أصول المذهب، فأي أخذ منها المفتي كان ملتزمًا المعتمد من مذهبه، ومع ذلك وجدناهم لشدّة تدقيقهم حتى لا يدخل الهوى في الاختيار شددوا فذكروا وجوهًا عديدة تبين كيفية الأخذ، قال العلامة محمد تقي العثماني (2) : (( قاعدة: أن يعرف بما يفتي إن وجد قولين متعارضين، وقد رجّح كل منهما:
ويكون ذلك باتباع التفصيل الآتي:
أولًا: إذا كان الترجيحان من رجل واحد عمل بالمتأخر منهما إن عرف التاريخ، وإن لم يعرف التاريخ رجح المفتي أحدهما بمرجحات سيأتي ذكرها.
ثانيًا: إذا كان الترجيحان من رجلين مختلفين رجح المفتي أحدهما بمرجحات، وهي:
إذا كان أحد التصحيحين صريحًا والآخر التزامًا عمل بالصريح.
إذا كان أحد التصحيحين بلفظ أقوى بالنسبة إلى تصحيح آخر رجّح ما لفظه أقوى.
إذا كان أحدهما مذكورًا في المتون والآخر مذكورًا في غيرها فالراجح ما في المتون.
(1) في شرح رسم المفتي 1: 40.
(2) في أصول الإفتاء ص36-37.