الرابع: إن تغير الأحكام بتغير الأزمان مقصود به ما يلي:
تغير الأعراف من ألفاظ جديدة يفهم بها مقصد المتكلم، كما سبق في بناء الأيمان على العرف.
تغير حال الناس كما سبق في مسألة العدالة عند أبي حنيفة والصاحبين (.
تغير تصرفات الناس كما سبق في مسألة سقوط خيار الرؤية بالنظر إلى الدار من الخارج في زمن أبي حنيفة (، والنظر إليها من الداخل في زمن الصاحبين (.
حدوث معاملات جديدة تحتاج إلى بيان أحكام. كما (( نقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ( أنه قال: يحدث للناس في كل زمان من الأحكام ما يناسبهم, وقد يتأيد هذا بما في البُخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (( لو علم النبي( ما أحدثته النساء بعده لمنعهنّ من المساجد ) ), وقول عمر بن عبد العزيز (: يحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور: أي يجددون أسبابًا يقضي الشرع فيها أمورًا لم تكن قبل ذلك; لأجل عدمه منها قبل ذلك, لا لأنها شرع مجدد.
فلا نقول: إن الأحكام تتغير بتغير الزمان، بل باختلاف الصورة الحادثة. وقال الشيخ نجم الدين البالسي: وكنت أنفر من هذا القول, وأعلل فساده بأن صاحب الشرع شرع شرعا مستمرًا إلى قيام الساعة مع علمه بفساد الأمر فيهم.
ثم رأيت في (( النهاية ) )قد قرر ما في نفسي, فقال قدس الله روحه: لو كانت قضايا الشرع تختلف باختلاف الناس وتناسخ العصور لانحل رباط الشرع )) (1) .
الرابع: إن تلبية حاجات العصر في المسائل المستجدة من الأحكام الشرعية لا بدّ له من ضبط مسائل الفقهاء والأصول والقواعد التي بنيت عليها، وإن هذا التخبط العجيب فيما يجد من مسائل عصرية يسعى بعضهم في استخراج أحكام لها من الكتاب والسنة دون مراجعة ومعرفة بكتب الفقه والأصول، أو بالاطلاع العام على أمهات المسائل في المذاهب دون ضبط لها، ولا معرفة لعلتها، أو عدم فهم لعبارة الكتب ومقصود مؤلفيها هو الذي أوصلنا إلى هذا الحال.
(1) ينظر: البحر المحيط 1: 219-220، وغيره.