وبذلك يتبين أن الأمر خلاف ما يقولون، فلا بدّ من قراءة الكتب الفقهية وفهم مسائلها بدقة متناهية؛ لمعرفة كيفية بناء الأحكام، والتفريع عليها، وإلا فإن الإنسان سيكون دائرًا في هوى نفسه، وملعبة بين الأفكار الشرقية والغريبة، وإنه لا محيص لنا في التخليل أن نبذ شيء من الفقه حتى كتاب العتاق، فإن وإن توقف بيع العبيد وشرائهم في أكثر البلاد، إلا أنهم يستفاد من مسائلهم كثيرًا من المسائل المعاصرة من خلال تتبع علل النصوص ومراميها.
وفي ذلك يقول الإمام الكوثري (( 1) : (( وأما تخيل تغير الأحكام باختلاف الزمن مطلقًا بدون نظر إلى ما قرره الفقهاء فتنزيل لشرع الله منزلة الأحكام الوضعية، وذلك مما يأباه أهل الدين... ) ).
الثاني: إن للعرف تعريفًا وشروطًا وأحكامًا على خلاف ما يقولون، وتفصيل ذلك في الكتاب النافع الماتع: (( العرف والعادة في رأي الفقهاء ) )للعلامة أحمد فهمي أبو سنة الذي نال به العالمية في الأزهر، وإليك شذرات منه:
أولًا: العرف اصطلاحًا: ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول. على ما قاله أبو البركات النسفي في (( المستصفى ) ).
فلفظ: ما؛ عام يشمل القول والفعل.
وقوله: ما استقر في النفوس؛ يخرج عنه ما حصل بطريق الندرة ولم يعتده الناس فإنه لا يعد عرفًا.
وقوله: من جهة العقول؛ يخرج ما استقر في النفوس من جهة الأهواء والشهوات كتعاطي المنكرات واعتياد كثير من أنواع الفجور.
وقوله: وتلقته الطباع...؛ يخرج به ما أنكرته الطباع أو بعضها فإنه نكر لا عرف (2) .
قال العلامة أبو سنة (3) : (( هل يصح أن يكون دليلًا لأحكام تنتظم بها مصالح الفرد والمجموع؟
العرف: هو ذلك العمل الصادر عن ميل العقل الذي يقلد الناس فيه بعضهم بعضًا حتى يستقرّ في نفوسهم وتقبله طباعهم، فمصدَرُه هو الدليل، ومُظْهِرَه هو العمل.
(1) في مقالة الدين والفقه ص180.
(2) ينظر: العرف والعادة ص8-9.
(3) في العرف والعادة ص25-32.