فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 203

وزبدة الكلام في المصلحة أن الذي ينطلق لسانه بأن المصلحة تعارض حجج الله من الكتاب والسنة والإجماع؟ كمن يقول: بأن الله لا يعلم مصالح عباده، فكأن هذا القائل يرى أنه أدرى بمصالح العباد من الحكيم الخبير جل جلاله حتى يتصور معارضة مصالحهم للأحكام التي دلت عليها أوامر الله المبلغة على لسان رسوله ـ سبحانه هذا إلحاد أقرع ـ (1) .

ثانيًا: إن جعل المصلحة العقلية المتوهمة أصلًا شرعيًا لم ينطق به أحد معتد به من علماء هذه الأمة على مرّ التاريخ الإسلامي الحافل؛ لأن من ملأ الإيمان وثقته بالله قلبه، لم يخطر بباله أن يقدم عقله وتفكيره على شرع الله، وإنما يستفرغه في خدم هذا الدين وفهمه.

وخير مَن يشخص لنا هذا الوباء الذي حط في بلاد المسملين هو الإمام الكوثري ( الذي عاش بداية فشو هذا الداء عندما كان في مصر لما تلاعبت الأيدي بالأزهر الشريف ومناهجه فغيرتها، فيقول (: (( ومن جملة أساليبهم الزائفة في محاولة تغيير الشرع بمقتضى أهوائهم قول بعضهم: إن مبنى التشريع في المعاملات ونحوها المصلحة فإذا خالف النص المصلحة يترك النص ويؤخذ بالمصلحة!

فياللخيبة ممن ينطق لسانه بمثل هذه الكلمة ويجعلها أصلًا يبني عليه شرعه الجديد!

وما هذا إلا محاولة نقض الشرع الإلهي بتحليل ما حرمه الشرع باسم المصلحة، فسل هذا الفاجر ما هي المصلحة التي تريد بناء شرعك عليها؟

إن كانت المصلحة الشرعية فليس لمعرفتها طريق غير الوحي حتى عند المعتزلة الذين يقال عنهم: إنهم يحكمون العقل كما تجد ذلك مفصلًا في (( المعتمد ) )شرح العمد لأبي الحسين البصري المعتزلي، وفي نقل نصّه طول راجع (( الشامل ) )للإتقاني.

وإن كنت تريد المصلحة الدنيوية على اختلاف تقدير المقدرين فلا اعتبار لها في نظر المسلم عند مخالفتها للنص الشرعي؛ إذ العقل كثيرًا ما يظن المفسدة مصلحة بخلاف الشرع.

(1) ينظر: مقالات الكوثري ص315.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت