وجرى الملك في تسيير الأمور على ما رسمه الشرع فصلحت البلاد وزال الفساد في مدة يسيرة، وأصبحت تلك الأصقاع بحيث لو سافرت غادة حسناء وحدها ومعها أثمن الجواهر والأحجار الكريمة من أقصى البلاد إلى أقصاها لما حدثت أحدًا نفسه أن يمسّها بسوء لا في مالها، ولا في عرضها، وقد اكتظت كتب التاريخ بما تم على يد هذه الملك العظيم من الإصلاحات الهامة، ودفع عدوان الصليبين من أرض الشام، بل من أرض مصر أيضًا بتجريد جيش تحت إمرة أحد قواده )) (1) .
قال الإمام الكوثري (:(2) (( وأحكام الشرع لا تنتهي عجائب أسرارها في الإصلاح، وليست هي كأحكام العقول الخاطئة، وهاهي الدولة الإسلامية لم تسعد دولة منها إلا بمقدار تمسكها بأهداب الشرع، ولا شقيت إلا بنسبة ابتعادها عن أحكام الشرع، ولنا ألف دليل ودليل على ذلك في التاريخ الإسلامي، وقد نطق علي بن أبي طالب كرم الله وجه بكلمة حكيمة جدًا حيث قال: (( ما ترك الناس شيئًا من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه ) ) (3) ، وهي حقيقة ملموسة في جميع أدوار التاريخ، وقد صدق الشاعر الذي قال لعبد الملك بن مروان:
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
ومثل هذا الممزق الموقع مثل من يمزق سراويله الساترة لسوءته؛ لترقيع موضع من جبته )) .
(1) ينظر: مقالة: شرع الله في نظر المسلمين ص182-183 من مقالات الإمام الكوثري.
(2) في مقالة شرع الله ص183-184.
(3) ينظر: الكشكول للعاملي ص2448، والتذكرة الحمدونية ص6567، ولكنهم جعلوها حديثًا مرفوعًا.