ومن يدقق النظر في حال المشتغلين بالفقه المقارن والاختيار يجد أن الأصل الأصيل الذي يستندون إليه في عملهم وتعاملهم مع أقوال الفقهاء هو أن كل مجتهد مصيب والحق عند الله متعدد؛ فلذلك جاز لهم أخذ ما يريدون منه دون ترجيح بمرجح في الغالب، وصارت نظرتهم إلى الفقه إجمالًا كأنه حديقة لك أن تأخذ ما شئت فيها من الورد، ويصورها الأستاذ مصطفى الزرقا، فيقول (1) : (( الواقع أن كل مذهب اجتهادي كنافذة واحدة في بيت من دار كثيرة البيوت والنوافذ، فكل نافذة على حدة لا يمكن أن تري صاحبها إلا قوسًا جزئيًا من دائرة أفق الشريعة...؛ لأن الشريعة الإسلامية هي مجموعة المذاهب الاجتهادية التي وجدت، والتي توجد قائمة على دعائهما قيامًا صحيحًا، وليست هي أحد المذاهب ) ).
وهذا الكلام من الأستاذ الفاضل براق في ظاهره، لكن فيه ما فيه من جعل اختلافات الفقهاء مجال أخذ ورد لمن شاء من الناس؛ لأن الشريعة كل هذه المذاهب مجتمعة فأي قول أخذت من أي مذهب برئت ذمتك؛ إذ يقول أيضًا (2) : (( فالذي يمثل الشريعة هو مجموعة المذاهب الفقهية المعتبرة، وآراء المفتين من الصحابة والتابعين من الذين نقلت آراءهم كتب الفقه العام واختلاف الفقهاء ) ).
(1) مقدمة فتاوى ص46 عن مجلة الشهاب.
(2) فتاواه ص373-374.