فإذا كان المختلفون في مسائل الفقه معذورين ومأجورين, فكيف يجوز أن يكونوا ( من أهل هذه الآيات, فقد وجب باتفاقنا جميعًا أن الاختلاف في مسائل الفتيا غير مراد بها, ولا داخل فيها ولو كانت هذه الآيات موجبة لذم الاختلاف عامًا, لوجب أن يكون المختلفون عند الفتاوى في تدبير الحروب مستحقين لحكم هذه الآيات مذمومين باختلافهم . وقد اختلف أبو بكر وعمر ( عند النبي ( في شأن أسارى بدر, فلم يجعلهم الله تعالى ولا نبيه( من المختلفين الذين شملهم حكم هذه الآيات. فثبت لما وصفنا أن اختلاف المجتهدين ليس ما ذمه الله تعالى بهذه الآيات... ) ) (1) .
وقد فصَّل الإمام أبو بكر بن العربي التفرقة المذمومة واستثنى منها الاختلاف الفقهي، فقال (2) : (( التفرق المنهي عنه يحتمل ثلاثة أوجه:
الأول: التفرق في العقائد لقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (3) .
الثاني: قوله (:(لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا) (4) , ويعضده قوله (: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} (5) .
(1) وينظر: أحكام القرآن للجصاص 2: 44، وغيره.
(2) في أحكام القرآن لابن العربي 1: 381-382.
(3) الشورى: من الآية13.
(4) في صحيح البخاري 5: 2253، وصحيح مسلم 4: 1986، وغيرها.
(5) آل عمران: من الآية103.