أقول: جعل هذه أيضًا من القواعد العامة أمر مبالغ فيه؛ لأن هذا النهي عن السؤال خاص بعصر النبي (؛ لئلا يشدد عليهم في التشريع، وفيما بعده في المغالطة في الدين، والسؤال عما لا فائدة فيه من قبيل السؤال عن المعضلات والأغلوطات، أو المسائل الفضول التي لا حاجة بالسائل إليها، وإنما تكون من بطر الذهن وفراغ النفس ونحو ذلك، مما لا يترتب على السؤال عنه فائدة عَمَليَّة، ولم يرد به تكليف من الشارع أو خطاب، فالسؤال عن مثل هذا منهي عنه ولا ريب، ومثله السؤال إذا كان على سبيل التعَنُّت والمغالطة وتصفير الوجوه، وأمثلة ذلك كثيرة، فسؤال الفراغ والفضول ما سئل عنه الإمام الشعبي ( فقد أتاه رجلٌ فقال له: ما اسم امرأة إبليس؟ قال: ذاك عرسٌ ما شهدته(1) .
قال الخطيب البغدادي (( 2) : (( أما كراهية رسول الله ( المسائل، فإنما كان ذلك إشفاقًا على أمته ورأفة بها، وتحنُّنًا عليها، وتخوفًا أن يحرِّم الله عند سؤال سائل أمرًا كان مباحًا قبل سؤاله، فيكون السؤال سببًا في حظر ما كان للأمة منفعة في إباحته، فتدخل بذلك المشقة عليهم والإضرار بهم.
وهذا المعنى قد ارتفع بموت رسول الله ( واستقرَّت أحكام الشريعة، فلا حاظر ولا مبيح بعده ) ) .
قال الأستاذ:
(( 3.البعد عن الاختلاف والتفرق في الدين، قال (: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} (3) ، وقال (: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} (4) ، وقال (: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (5) .... )).
(1) ينظر: منهج السلف في السؤال عن العلم ص25-26، فهذه نصوص منتخبة من هذا الكتاب الماتع فمَن أراد الوقوف على تفصيل هذا البحث ومزيد من الأدلة عليه فليرجع إليه.
(2) في الفقيه والمتفقه 2: 9-12.
(3) المؤمنون: من الآية52.
(4) آل عمران: من الآية103.
(5) الأنعام: من الآية159.