وقال الحافظ ابن رجب (( 1) : (( وقد كان أصحاب النبي( أحيانًا يسألونه عن حكم حوادث قبل وقوعها، لكن للعمل بها عند وقوعها، كما قالوا له: إنا لاقوا العدوّ غدًا وليس معنا مُدَى، أفنَذْبَحُ بالقصب؟ وسألوه عن الأمراء الذين أخبر عنهم بعده، وعن طاعتهم وقتالهم، وسأله حذيفة عن الفِتَن وما يصنع فيها ) ).
فتوسّع القول بالفقه التقديري والافتراضي الذي يريد أن يحاربه الأستاذ كان له الفضل في تقعيد القواعد، وتأصيل الأصول وتشييدها؛ إذ لا بدّ في إقامة ذلك من افتراض ما ينبني عليها من مسائل، إضافة للنضوج والتميّز الذي حصل للفقه في هذا العصر الأئمة المتبوعين، حتى روي عن الإمام أبي حنيفة ( أنه وضع ثلاث وثمانين ألف مسألة، وروي عن الإمام الأوزاعي أنه وضع ستين ألف مسألة(2) .
ويروى أنه (( لما نزل قتادة ( الكوفة قام إليه أبو حنيفة ( فقال له: يا أبا الخطاب ما تقول في رجل غاب عن أهله أعوامًا فظنت امرأته أن زوجها مات، فتزوجت، ثم رجع زوجها الأول، ما تقول في صداقها؟ وكان قال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدث بحديث ليكذبن، ولئن قال برأي نفسه ليخطئن، فقال قتادة (: ويحك أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا، قال: فلم تسألني عما لم يقع؟ قال أبو حنيفة(: إنا نستعدّ للبلاء قبل نُزوله، فإذا ما وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه ) ) (3) .
(1) في جامع العلوم والحكم 1: 195، 1: 243.
(2) ينظر: منهج السلف في السؤال عن العلم ص49، وغيره.
(3) ينظر: أبو حنيفة ( لأبي زهرة ص232 عن تاريخ بغداد 13: 348.