وهذه الهزيمة كان لها تأثيرها الكبير على هؤلاء الشرعيين المعاصرين في اجتهاداتهم وترجيحاتهم، فيميلون ويرجِّحون ما يتمشَّى مع الفكر الغربي الغازي؛ ولذلك من أراد السلامة لدينه فعليه أن لا يعتمد عليهم في شيء، بل يرجع إلى الأحكام التي دونها علماؤنا في عصور العزّة والأنفة للإسلام لما كانت دولة الإسلام تحكم الأرض، وعالم معتز بدينه، ومنتصر على عدوه، فيتكلَّم بحكم الإسلام كما هو، لا بتأثير غربي وشرقي.
والأمثلة على هذا التأثر لا تعد لا تحصى؛ لأننا نلمساها في غالبية ترجيحات المعاصرين وآرائهم، ولم يتوقف الأمر على ذلك فحسب، بل خرجوا عن الدين وأحكامه وتلاعبوا بها؛ ليقربوها من الوجهة الغربية.
فمثلًا نجد أن مسألة الحجاب من المسائل المقطوع بها في شريعتنا؛ إذ لا خلاف فيها مطلقًا؛ للنصوص الصريحة وللإجماع على ذلك، ومع ذلك نجد أن قاسم أمين كما سبق وهو تلميذ محمد عبده ألف كتاب (( تحرير المرأة ) )، وناقش في فصل فيه مسألة الحجاب من ناحية فقهية، وذكر محمد عمارة، وهو الجامع للأعمال الكاملة لشيخ الأزهر محمد عبده، أن الذي شجع قاسم أمين على ذلك هو محمد عبده، وأن محمد عبده هو الذي كتب الفصل المتعلق بالناحية الفقهية من جواز خروج المرأة سافرة، فانظر رحمك الله كيف صار السفور جائزًا من ناحية فقهية لموافقة الغرب وأفكاره.
ومثال آخر: إن الخلع العصري بأن تطلق المرأة زوجها إذا لم ترغب فيه بمجرد إعطائها له مهره المقدم دون توقف على رضا الزوج أو القاضي، والذي لا خلاف في عدم شرعيته بين الفقهاء في كافة المذاهب الفقهية؛ لأنه معارض لنصوص القرآن التي ملكت الرجل الطلاق، وفي المقابل حملت أعباءً كبيرة كنفقات الزفاف ونفقة الزوجة والأولاد، ونفقة الاعتداد، وأجرة الحضانة، وغيرها، فإذا طلق الرجل زوجته فإنه سيتكفل بنفقتها هي وأولادها بأن يؤمن لهم سكنى ومرتب يحدده القاضي للزوجة أجرة لحضانتها، ولأولاده لنفقتهم.