فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 203

إن مما سبق تفصيله تبيَّن أن الذي سدّ هو الاجتهاد المستقل؛ لكثرة المتلاعبين وأصحاب الأهواء، وقد ظهر عوضًا عنه الاجتهاد المذهبي، وكان فيه كفاية للناس فيما يقع لهم من مسائل، واستمرّ الفقه به في ازدهاره ونموه؛ بدليل وجود هذا الكم الهائل من الفروع الفقهية التي لا تحصى، ولا يستطيع أن يدعي مدعٍ أن الفقه في هذا العصر قصر عن إيفاء حاجة الناس من الأحكام الشرعية المستجدة لهم، بل على العكس إنه قد أوفى ما طلب منه، وبيّن أحكام كثير من المسائل التي لم تقع.

فإذا كان ذلك فأي جمود لقرائحهم هذا الذي يدعونه وقد بحثوا فيما وقع وما لم يقع وفصلت في أحكامه، وأي ازدهار يريدونه، وقد نظموا الفقه ودرسوه وألفوا فيه الكتب المتنوعة كما سبق تفصيله، إلا أن يكون مقصودكم جعل الشريعة المحمدية لعبة بيدي المتلاعبين من الجهّال والمتزلّفين؛ ليبدلوا الأحكام على حسب أمزجتهم.

ونختم الكلام على هذا الأصل الفاسد بأنه لا يحق لحاملين لواء دعوة فقه الكتاب والسنة أن ينذوا المذاهب على أنها مأخوذة من هوى الأنفس، ويدّعون أنهم يريدون أن يرجعوا إلى الكتاب والسنة؛ لأن هذه فقه هذه المذاهب هو عين فقه الكتاب والسنة كما سبق، قال الدكتور علي نايف البقاعي (1) : (( ويطالعنا بعض أهل هذا العصر بدعوةٍ جديدة إلى الأخذ من الكتاب والسنة كما هو مذهب السلف (، وهل بنيت المذاهب الأربعة على غير الكتاب والسنة! أو خرج أحد الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد عن أن يكون من سلف هذه الأمة! أما كانوا جميعًا في خير القرون التي زكاها رسول الله (؟ فإن لم يكونوا من السلف فمن السلف إذن؟

(1) في كتابه النافع الماتع الاجتهاد في علم الحديث ص567-569.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت