18 - «وكانَ شَهِد بَدرا» بسط القسطلَّاني في إعراب هذه الجملة وما بعدها أشدَّ البسط، وقال: أشار الرَّاوي بذلك إلى المبالغة في ضَبْط الحديث، وأنَّه عن تحقيق وإتقان، ولذا ذكر أنَّ الرَّاوي شهد بدرا، وأنَّه أحد النُّقباء، والمراد به التَّقوية، فإنَّ الرِّواية تترجَّح عند المعارضة بفضل الرَّاوي وشَرَفه.
«أحَدُ النُّقباء» : جمع نقيب، وهو النَّاظر، وكانوا اثني عشر، كذا في القسطلَّاني.
وذكر صاحب (( مجمع البحار ) )في الحادية العشرة النَّبويَّة: أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم على دأبه، كان يعرض نفسه على القبائل موسم الحج، ويقول من ينصُرُني ويأخذني معه حتَّى أؤدي كلام ربي، فلقي رهطا من الخزرج ودعاهم فآمنوا، وكانوا ستَّة، منهم أسعد بن زرارة، وفي الثَّانية، كانت بيعة العقبة الأولى، حيث قدم من الأنصار اثنا عشر، أحدهم عُبادة بن الصَّامت، وفي الثَّالثة كانت بيعة العقبة الثَّانية، وكانوا سبعين رجلًا وامرأتين [1] . انتهى.
وهل كانت هذه البيعة الأولى أو الثَّانية، ذكرهما في بين سطور (( النِّسخة الهندية ) ). انتهى.
وما يظهر من العيني أنَّ عُبادة كان فيهما إذ ذَكَر له بيعته الثَّالثة، بيعة الرِّضوان.
وقال مسند الهند الشَّاه وليُّ الله الدَّهلوي في (( تراجمه ) ): النُّقباء جمع نقيب، وهو النَّاظر على القوم وضمينهم، اعلم أن رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم كان يعرض نفسه على القبائل في كلِّ موسم، فبَيْنا هو عند العقبة إذ لقي رهطًا من الخزرج فقال: ألا تجلسون أكلمكم، قالوا: بلى، فجلسوا فدعاهم إلى الله عزَّ وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فأجابوا، فلمَّا انصرفوا إلى بلادهم، وذكروه لقومهم، فشا أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأتى في العام القابل اثنا عشر رجلا إلى الموسم من الأنصار، أحدهم عُبَادة بن الصَّامت، فلقوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالعقبة، وهي بيعة العقبة الاولى، فبايعوا ثمَّ انصرفوا، وخرج في العام القابل الآخر سبعون رجلًا منهم إلى الحجِّ، فواعدهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالعقبة، أوسط أيام التَّشريق، فأتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع عمِّه العبَّاس لا غير، فتكلَّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم داعيًا إلى أمر الله مرغبًا إلى الإسلام، تاليا للقرآن، فأجبناه للإيمان فقلنا: أبسط يدك نبايعك عليه، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبا، فأخرجنا من كل فرقة نقيبا، وكان عُبادة نقيب بني عَوف، فبايعوه وهذه هي بيعة العقبة الثَّانية [2] . انتهى.
قوله: «وحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أصْحَابِه فَقَال بَايعُونِي» ، قال النَّووي: كان ذلك في أوَّل الأمر في ليلة العقبة قبل الهجرة من مكَّة قبل فرض الجهاد [3] . انتهى.
وهذا الذي جزم به النَّووي أنَّ هذه البيعة بيعة العقبة، قد جزم به القاضي عياض والقرطبي [4] .
وقال العيني: إنَّ القاضي عياض وجماعة من الأئمة الأجلاء، قد جزم بأن حديث عبادة هذا كان بمكَّة ليلة العقبة لمَّا بايع الأنصار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم البيعة الأولى بمنى، ثمَّ استدل على ذلك بأمور ذكرها.
وأمَّا الحافظ ابن حجر فمال إلى أنَّها بيعة أخرى
ج 2 ص 112
بعد الفتح، وقال: والحق عندي أنَّ المبايعة المذكورة في حديث عُبادة على الصِّفَة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، وإنما نصُّ ليلةِ العَقَبَة ما ذَكَر ابن اسحاق وغيره من أهل المغازي، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال لمن حضر من الأنصار: «أبايُعُكم عَلى أنْ تَمْنَعُوني مما تَمْنَعون منه نسَاءَكُم وأبْنَاءكم» ، فبايعوه على ذلك، وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه، وسيأتي في هذا الكتاب في كتاب الفتن وغيرهم من حديث عبادة أيضًا ثمَّ أطال في إثبات ذلك.
ولخَّص القسطلَّاني تعقب العيني على الحافظ ولخَّص في (( فيض الباري ) )كلام الحافظين فأجاد، فإن كانت هذه البيعة بيعة بعد فتح مكَّة، فالحديث نصٌّ في بيعة السُّلوك، كما يدلُّ عليه قول الرَّاوي «وحوله عصابة من أصحابه» ، لأنَّ المخاطبين حينئذ الصَّحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين، وهذه الألفاظ التي وردت في الحديث هي ألفاظ البيعة عند مشايخ السُّلوك، وما زاد بعضهم من بعض الألفاظ فهو لمصلحة وقتية، كما زاده النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أيضًا في بعض المواقع من عدم السُّؤال وعدم النِّياحة، نعم لو كانت هذه البيعة بيعة العقبة فلا حجَّة فيه على بيعة السُّلوك، لأنَّها كانت بيعة الإسلام.
والأوجه عند هذا العبد الضَّعيف أنَّهما بيعتان، إحداهما بيعة العقبة، والثَّانية بيعة السُّلوك، التي يأتي ذكرها في تفسير سورة الممتحنة، واشتركت ألفاظ البيعة في كلتيهما.
وبسط الكلام مولانا النُّواب صديق حسن خان القنوحي البهوفالي _ من علماء منكري التقليد _ البحث في المبايعة في (( عون الباري ) )فقال: قوله: «فبايعناه على ذلك» ، وقد صدرت مبايعات أخرى منها هذه البيعة التي في حديث الباب في الزجر عن الفواحش المذكورة، وأنَّها وقعت بعد فتح مكَّة، وفي هذا الحديث دلالة على أنَّ البيعة سُنَّة في الدِّين، واستفاض عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ النَّاس كانوا يبايعونه تارة على الهجرة والجهاد، وتارة على إقامة أركان الإسلام، وتارة على الثَّبات والقرار في معارك الكفار، وتارة على هجر الفواحش والمنكرات كما في حديث الباب، وتارة على التَّمسك بالسُّنة والاجتناب عن البدعة والحرص على الطَّاعات، كما بايع نسوة من الأنصار على أن لا يَخُنَّ، وبايع ناسا من فقراء المهاجرين على أن لا يسألوا النَّاس شيئا، فكان أحدهم يسقط سوطه فينزل عن فرسه فيأخذه ولا يسأل أحدا، رواه ابن ماجه.
وقد نطق به الكتاب العزيز كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح:10] ، وقوله تعالى: { ... إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ... } [الممتحنة:12] ، الآية.
ومما لا شك فيه ولا شبهة أنَّه إذا ثبت عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فعل على سبيل العبادة والاهتمام بشأنه فإنَّه لا ينزل عن كونه سنَّة في الدِّين، بقي أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم كان خليفة الله في أرضه وعالما بما أنزله الله تعالى من القرآن والحكمة، معلما الكتاب والسُّنة مزكيا للأمَّة، فما فعله على جهة الخلافة كان سنَّته للخلفاء، وما فعله على جهة كونه معلما للكتاب والحكمة ومزكيا للأمة كان سنة للعلماء الرَّاسخين، وهذا (( صحيح البخاري ) )شاهد على أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم اشترط على جرير عند مبايعته «والنُّصْحَ لكلِّ مُسْلِم» ، وأنَّه بايع قومًا من الأنصار فاشترط أن لا يخافوا في الله لومة لائم ويقولوا بالحق حيث كانوا، فكان أحدهم يجاهر الأمراء والملوك بالرَّدِّ والإنكار، إلى غير ذلك، وكل ذلك من باب التَّزكية والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.
البيعة على أقسام: منها بيعة الخلافة، ومنها بيعة الإسلام، ومنها بيعة التَّمسك بحبل التَّقوى، ومنها بيعة الهجرة والجهاد، ومنها بيعة التَّوثُّق في الجهاد، وكانت
ج 2 ص 113
بيعة الإسلام متروكة في زمن الخلفاء، أمَّا في زمن الرَّاشدين منهم فلأنَّ دخول النَّاس في الإسلام في أيامهم كان غالبًا بالقهر والسِّيف، لا بالتَّأليف وإظهار البرهان، ولا طوعا ولا رغبة، وأمَّا في زمن غيرهم، فلأنَّهم كانوا في الأكثر ظَلمة فَسقة لا يهتمون، وكذلك بيعة التَّمسك بحبل التَّقوى كانت متروكة، أمَّا في زمان الخلفاء الرَّاشدين فلكثرة الصَّحابة، الذين استناروا بصحبة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فتأدَّبوا في حضرته، فكانوا لا يحتاجون إلى بيعة الخلفاء، وأمَّا في زمن غيرهم فخوفًا من افتراق الكلمة، وأن يُظن بهم مبايعة الخلافة، فتهيج الفتن، ثمَّ لمَّا اندرس هذا في الخلفاء، انتهز أكابر العلماء والمشايخ الفرصة، وتمسكوا بسنة البيعة، إلى آخر ما بسطه.
«تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ» : خصَّ الأيدي والأرجل بالافتراء، لأنَّ معظم الأفعال تقع بهما، ويحتمل أن يكون المراد لا تبهتوا النَّاس كفاحًا وبعضكم يشاهد بعضًا، ويحتمل أن يكون المراد بالأيدي والأرجل القلب، لأنَّه هو الذي يترجم عنه اللِّسان، ويحتمل أن يكون قوله بين أيديكم أي في الحال، وقوله وأرجلكم أي في المستقبل، لأنَّ السَّعي من أفعال الأرجل، وقيل أصل هذا كان في بيعة النِّساء، وكنَّى بذلك، كما قال الهروي في الغريبين، عن نسبةِ المرأةِ الولدَ الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها، ثمَّ لمَّا استعمل في بيعة الرِّجال واحتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولا. انتهى من (( الفتح ) )ملخصًا.
وذكر شيء من الكلام عليه في (( الأوجز ) ).
«وَلاَ تَعْصُوني فِي مَعْرُوفٍ» : هو ما يحسن، وهو ما لم ينه الشَّارع عنه، ويقال: هو ما عُرِف من الشَّارع حُسْنُه نهيًا وأمرًا، قاله شيخ الإسلام زكريا الأنصاري.
وفي القسطلَّاني: وقَيَّد به مع أنَّ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم لا يأمر بغير المعروف، للتَّنبيه على أنَّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وخَصَّ ما ذُكر من المناهي بالذِّكر دون غيره للاهتمام به، فهو كفارة له.
بسط الكلام عليه القسطلَّاني وقال: قال الجمهور: هي كفَّارة، وتوقف بعضهم لحديث أبي هريرة عند الحاكم، وصححه أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لا أدري الحدود كفارة أم لا» [5] وأَوَّلَه بأنَّه قبل العلم.
وأَشْكَل بقتل المرتد، فإنَّ عقوبة المرتد القتل بلا خلاف، وقتله هذا لا يكون كفارة إجماعا.
قلت: يمكن التَّفصي عنه بأنَّ المرتد ليس بأهل للكفارة، لكونه خارجا عن الإسلام، والكفارة إنَّما تكون على المعاصي غير الكفر، وقد قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48] .
ومستدلات الحنفية من النُّصوص والآيات والاحاديث، ستأتي في كتاب الشَّهادات والحدود، منها قوله عزَّ اسمه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} الآية [المائدة:38] ، وفيها الحجة بوجهين:
الأوَّل: أنَّه جعل في الآية القطع نكالًا وهو يكون زاجرًا.
والثَّاني: أنَّه عزَّ اسمه ذكر بعد ذلك: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ} الآية [المائدة:39] ، ذكر التَّوبة بفاء التَّعقيب بعد القطع، وكذا في حدِّ القذف ذكر: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [النور:5] ، أي: بعد استيفاء الحدِّ، ومنها آية المحاربة وفيها: {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة:33] ، فقد جمع الله بين عذاب الدُّنيا والأخرة، وأسقط عذاب الاخرة بالتَّوبة في قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [المائدة:34] ، كما بسط في (( هامش اللَّامع ) )في كتاب الشَّهادات.
وفيها بسط في الأحاديث الدَّالة، منها حديث أبي داود [6] وفي قصَّة لص أُتى به قد اعترف، فأُمر به فَقُطِع، فجيء به، فقال: استغفر الله، وتب عليه، فَلِمَ أمره صلَّى الله عليه وسلَّم بالتَّوبة بعد القطع؟ وقد أخرج أيضًا في قصَّة ماعزَّ وقد رُجم، قال: «ذهبوا يسبونه، فنهاهم، وذهبوا يستغفرون له، فنهاهم، قال: هو رجل أصاب ذنبًا حسيبه الله» [7] ، وغير ذلك
ج 2 ص 114
من الروايات المذكورة هناك، والجواب عن حديث الباب بأنَّها من عموم الكفَّارات فإنَّ كلَّ أذى للمؤمن حتَّى الشَّوكة يشاكها كفَّارة للمؤمن، كما وردت في الرِّوايات الكثيرة من باب ثواب المرض:
«ثمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ» : يعم من تاب ومن لم يتب، وقال الجمهور إنَّ التَّوبة ترفع المؤاخذة، لكن لا اطلاع على قبول التَّوبة، كذا في القسطلَّاني.
ج 2 ص 115
[1] مجمع بحار الانوار:5/ 252
[2] شرح تراجم أبواب البخاري لشاه ولي الله: (29) .
[3] المنهاج شرح صحيح مسلم ابن الحجاج:13/ 4 كتاب الإمارة، باب خيار الأئمة وشرارهم، رقم 1856
[4] تفسير القرطبي:12/ 69 عند تفسير الآية 40 من سورة الحج {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ ... }
[5] أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم 3682 وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ كَانَ لَعِينًا أَمْ لَا، وَمَا أَدْرِي أَذُو الْقَرْنَيْنِ كَانَ نَبِيًّا أَمْ لَا، وَمَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا؟» وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
[6] أخرجه أبو داود (رقم: 4380) في الحدود، باب في التلقين في الحد، والنسائي، (رقم: 4877) في السارق، باب تلقين السارق، وابن ماجة (رقم: 2597) باب تلقين السارق، والبيهقي في معرفة السنن والآثار، (رقم: 17228) كتاب السرقة، الإقرار بالسرقة.
[7] أخرجه أبو داود، (رقم: 4432) باب رجم ماعزَّ بن مالك، وقصة ماعزَّ في الصحيحين وغيرهما