49 - (فَرُفِعَتْ) : إن قلت: كيف نُؤمَر بطلب ما رُفِع علمُه؟
قلت: المراد: طلب التعبُّد في مظانِّها، وربَّما يقع العمل مصادفًا لها، لا أنَّه مأمور بطلب العلم بعينها، والأوجه أن يُقال: رُفِعت من قلبي؛ أي: نسيتها، قاله الكرمانيُّ، وقال غيره: (رُفِعت) ؛ رُفِع بيانُها، وإلَّا؛ فهي باقية إلى يوم القيامة؛ بدليل قوله: «التمسوها» .
فائدة: وجه دلالة الحديث على الترجمة ربما تجرُّ الملاحَّة إلى بطلان العمل وهو لا يشعر، واعلم أنَّ للترجمة جزءان، فدالَّته على الجزء الأوَّل أظهر كالحديث الأوَّل على الجزء الثاني، ففيه لفٌّ ونشر، وإن قلنا: الترجمة أمر واحد؛ فلا تُحتسَب.
فائدة: إن أُريد بالخير اسم التفضيل؛ فمعناه: أنَّ الرفع عسى أن يكون خيرًا من عدم الرفع
ص 74
من جهة أخرى؛ كمن جهة كونه سببًا لزيادة الاجتهاد المستلزمة لزيادة الثواب، وإلَّا؛ فمعناه: أنَّ الرفع عسى أن يكون خيرًا، وإن كان عدمُ الرفع أزيدَ خيرًا وأولى منه، ثمَّ إنَّ خيرة ذاك كانت متحقِّقة، وخيريَّة هذا مرجوَّة، لأنَّ معنى (عسى) : الرجاء لا غير.
خاتمة: لو قال لزوجته: أنت طالق ليلة القدر؛ قال أصحابنا: إن قاله قبل رمضان أو فيه قبل مضيِّ ليالي العشر؛ طُلِّقت بانفصال ليالي العشر، وإن قاله بعد مضيِّ لياليها؛ لم تُطلَّق إلى سنة، هكذا نقله الشيخ أبو إسحاق في «المهذَّب» وإمام الحرمين وغيرهما.
وأمَّا قول الغزاليِّ: (لو قال لزوجته في مُنتصَف رمضان: أنت طالق ليلة القدر؛ لم تُطلَّق حتَّى تمضيَ سنة؛ لأنَّ الطلاق لا يقع بالشكِّ) ، ونُقِل في «الوسيط» هذا عن نصِّ الشافعيِّ؛ فاعلم أنَّه لا يُعرَف اعتبار مضيِّ سنة في هذه المسألة إلَّا في كتب الغزاليِّ، وقولُه: (الطلاق لا يقع بالشكِّ) مُسلَّمٌ، لكن يقع الطلاق بالظنِّ الغالب.
قال إمام الحرمين: الشافعيُّ رحمه الله تعالى متردِّدٌ في ليالي العشر، ويميل إلى بعضها ميلًا لطيفًا، وانحصارها في العشر ثابتٌ عنده بالظنِّ القويِّ وإن لم يكن مقطوعًا به، والطلاق يُناط وقوعُه بالمذاهب المظنونة.
واعلم أنَّ الغزاليَّ قال: (وقيل: إنَّ ليلة القدر في جميع رمضان) ، وهذا لا نكاد نجده في شيء من كتب المذهب.
قال النوويُّ:(قلت: قد قال المحامليُّ وصاحب «التنبيه» : تُطلَب ليلة القدر في جميع شهر رمضان.
وقول الإمام الرافعيِّ في أوَّل المسألة: «طُلِّقت بانقضاء ليالي العشر» فيه تجوُّزٌ، تابعَ فيه صاحبَ «المهذَّب» وغيره، وحقيقته: طُلِّقت في أوَّل الليلة الأخيرة من العشر، وكذا قوله: إن قال: «بعد مضيِّ بعض لياليها» ؛ لم تُطلَّق إلى مضيِّ سنة؛ فيه تجوُّز؛ وذلك أنَّه قد يقول في آخر اليوم الحادي والعشرين، فلا يقف وقوع الطلاق على سنة كاملة، بل يقع في أوَّل الليلة الحادي والعشرين، والله تعالى أعلم).