(43) (باب: وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ، وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ، ومِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ) : أما عمر؛ فهو ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه، و (الحميم) : الماء المسخن، قال ابن المنذر أجمع أهل الحجاز جميعًا على الوضوء بالماء المسخن غير مجاهد؛ فإنه كرهه.
قال بعضهم: المسخن ولو بالنجاسة لا يكره الطهارة به، وقال مجاهد: لا يجوز الطهارة به، استدل الجمهور بأنه عليه السلام دخل حمامًا بالجحفة وهو محرم، وقال أسلع بن شريك: (أجنبت وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمعت حجارة، وسخنت ماء، واغتسلت، ثم أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر علي) ، وخلاف مجاهد لا يقدح في الإجماع، والفرق بينه وبين المشمس أن للنار قوة وتأثيرًا في إذهاب ما يتصل من تلك الأجزاء الضارة بخلاف المشمس.
والحميم: حكى الصغاني أنه من الأضداد.
وروي: (نصراني) بالتذكير، وهو ما في «المهذب» للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، قال الحازمي: رواه خلاد بن أسلم عن سفيان بسنده، فقال: نصراني؛ بالتذكير، قال: والمحفوظ رواية الشافعي: (نصرانية) .
ووقع في «المهذب» : (جر نصراني) ، والصحيح: (جرة) كما في رواية الشافعي، والجر والجرار جمع جرة، وذكر ابن الفارس أن الجر هنا: سلاخة عرقوب البعير يجعل وعاء للماء.
ووضوء عمر رضي الله عنه من بيت النصرانية فيه دليل على جواز استعمال مياههم، نعم؛ يكره استعمال أوانيهم وثيابهم، سواء فيه أهل الكتاب وغيرهم، والمتدين بالنجاسة وغيره، قال أصحابنا: وأوانيهم المستعملة في الماء أخف كراهة، فإن تيقن طهارة أوانيهم أو ثيابهم؛ فلا كراهة إذًا في استعمالها، ولا يعلم فيها خلافًا، وإذا تطهر من إناء كافر، ولم يتيقن طهارته ولا نجاسته؛ فإن كان من قوم لا يتدينون باستعمالها؛ صحت طهارته قطعًا، وإن كان من قوم يتدينون باستعمالها، وهم طائفة من المجوس والبراهمة أيضًا؛ فوجهان: أصحهما: الصحة، والثاني: المنع.
ووضوء عمر منها دال على طهارة سؤرها، وهو مراد البخاري بإيراده في الباب،
ص 196
وممن كان لا يرى به بأسًا: الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا كرهه إلا أحمد وإسحاق، قلت: وتبعهما أهل الظاهر، واختلف قول مالك في ذلك؛ ففي «المدونة» : لا يتوضأ بسؤر النصراني، ولا بما أدخل يده فيه، وفي «العتبية» : أجازه مرة، وكرهه أخرى.
قال الكرماني: إن قلت: ما وجه مناسبة الأثر بالترجمة، قلت: غرض البخاري في هذا الباب ليس منحصرًا في ذكر متون الأحاديث، بل يريد الإفادة أعم من ذلك، ولهذا يذكر آثار الصحابة، وفتاوى السلف، وأقوال العلماء، ومعاني اللغات، وغيرها، فقصد ههنا بيان التوضؤ بالماء الذي مسته النار وتسخن بها بلا كراهة؛ دفعًا لما قال مجاهد، وبالماء الذي من بيت النصرانية؛ ردٌ لمن قال: إن الوضوء بسؤرها مكروه، ولما كان هذا الأخير الذي هو مناسب لترجمة الباب من فعل عمر ذكر الأمر الأول أيضًا، وإن لم يكن مناسبًا لها؛ لاشتراكهما في كونهما من فعله؛ تكثيرًا للفائدة، واختصارًا في الكتاب، ويحتمل أن تكون هذه قضية واحدة؛ أي: توضأ من بيت النصرانية بالماء الحميم، ويكون المقصود ذكر استعمال سؤر المرأة النصرانية، وذكر الحميم إنما هو لبيان الواقع، فتكون مناسبته للترجمة ظاهرة، انتهى
وقال شيخي: ومناسبته للترجمة من جهة أنه الغالب أن أهل الرجل تبع له فيما يفعل، فأشار البخاري إلى الرد على من منع المرأة أن تتطهر بفضل الرجل؛ لأن الظاهر أن امرأة عمر كانت تتوضأ بفضله أو معه، فيناسب قوله: (وضوء الرجل مع امرأته) أي: من إناء واحد.
وأما مسألة التطهير بالماء المسخن؛ فاتفقوا على جوازه إلا ما نقل عن مجاهد.
والذي جرأ الكرماني على أن يقول: (المقصود ذكر استعمال سؤر المرأة، وأما الحميم؛ فذكر لبيان الواقع) ما وقع في رواية كريمة بحذف الواو من قوله: (ومن بيت نصرانية) ، وإنما هما أمران متغايران، انتهى