فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 415

193 - (جَمِيعًا) : قال الدارقطني: ورواه محمد بن النعمان عن مالك بلفظ: (من الميضأة) ، وفي رواية القعنبي وابن وهب عنه: (كانوا يتوضؤون زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإناء الواحد، وأخرجه أبو داود أيضًا من حديث أبي أيوب عن نافع، وفيه:(من الإناء الواحد جميعًا) ، والإجماع قائم على جواز وضوء الرجل والمرأة بفضل الرجل، وأما فضل المرأة؛ فيجوز عند الشافعي الوضوء به أيضًا للرجل سواء أخلت به أم لا.

قال البغوي وغيره: ولا كراهة فيه، للأحاديث الصحيحة فيه، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، وجمهور العلماء، وقال أحمد وداود: لا يجوز إذا خلت به، وروي هذا عن عبد الله بن سرجس والحسن البصري، وروي عن أحمد كمذهبنا، وعن ابن المسيب والحسن كراهة فضلها قطعًا.

وحكى أبو عمر فيه خمسة مذاهب، احتج لأحمد ومن وافقه بحديث الحكم بن عمرو: أن النبي عليه السلام نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان وابن حزم، ورجحه ابن ماجه على حديث ابن سرجس.

ص 197

واحتج أصحابنا بحديث ميمونة: (أجنبت، فاغتسلت من جفنة، ففضلت منه فضلة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل منه، فقلت: إني اغتسلت منه، فقال: «الماء ليس عليه جنابة» ، واغتسل منه) ، حديث صحيح أخرجه الدارقطني، كذلك من حديث سماك عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ميمونة، وأخرجه الأربعة بمعناه عن بعض أزواج النبي عليه السلام من غير تسمية، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقال: لا يحفظ له علة.

قال البيهقي: وروي مرسلًا، ومن أسنده أحفظ، ولا عبرة بتوهين ابن حزم له، وإذا ثبت اغتسالهما معًا وكل منهما مستعمل فضل الآخر؛ فلا تأثير للخلوة.

والجواب عن حديث الحكم من أوجه: الأول: جواب البيهقي وغيره ضعفه، الثاني: على تسليم صحته، أن أحاديث الرخصة أصح، فالعمل بها أولى، الثالث: جواب الخطابي أن النهي عن فضل أعضائها، وهو ما سال عنها، الرابع: أن النهي للتنزيه جمعًا بين الأحاديث.

وأما حديث داود بن عبد الله الأودي، عن حميد الحميري قال: (لقيت رجلًا صحب النبي عليه السلام كما صحبه أبو هريرة قال: نهى رسول الله عليه السلام أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو تغتسل المرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعًا) ؛ حسَّن أحمد إسناده، وصححه ابن القطان، وقال أبو داود في «التفرد» : (الذي تفرد به من هذا الحديث قوله: «أن تغتسل المرأة من فضل المرأة» ) ، وأما ابن منده، وابن حزم؛ فقالا: (لا يثبت من جهة سنده) ، وقال البيهقي: (هو مرسل جيد لولا مخالفة الأحاديث الثابتة الموصولة) ، وزعم ابن القطان أن المبهم ههنا عبد الله بن مغفل، وقيل: ابن سرجس، وقطع ابن حزم بأن حكم الإباحة منسوخة، وهذا الباب وما فيه ناسخ، وأباه ابن العربي، وزعم أن الناسخ حديث ميمونة، ومال إليه الخطابي.

تتمة: إن قلت: تقرر في علم الأصول أن الجمع المحلى باللام للاستغراق، فما حكمه في هذا الحديث؟

قلت: قالوا: بعمومه إلا إذا دل الدليل على الخصوص، وههنا القرينة العادية مخصصة بالبعض.

وقال الزمخشري وغيره: الألفاظ ليست في وضعها لا للعموم ولا للخصوص، بل هي موضوعة للجنس، وهما مستفادان من القرائن والأمور الخارجة التي تنضم إليها، فهو محمول على الجنس.

فإن قلت: فحينئذ لا يصح التمسك به؛ لأن فعل البعض ليس بحجة.

قلت: التمسك ليس بالإجماع، بل بتقرير الرسول عليه السلام، وقد تقرر أن مثل (كانوا يفعلون) سيما إذا قيد بزمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بحياته حجة.

إن قلت: فلم لا يكون من باب الإجماع السكوتي، وهو حجة عند الأكثر؟

قلت: لأنه لا يتصور الإجماع إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن قلت: الحديث كيف دل على الترجمة، فإنها مركبة من جزأين؟

قلت: على الأمر الأول: صريحًا، وعلى الثاني: التزامًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت