فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 415

(53)(باب: الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ): مقصود الباب: أن النوم اليسير لا ينقض، وهو إجماع كما قاله ابن بطال إلا المزني وحده، قال:(وخرق الإجماع).

والنوم: استرخاء أعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد إليه، وقيل: موت خفيف، والموت نوم ثقيل، وهو ناقض؛ لقوله عليه السلام: (العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ) رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن.

والنوم الناقض: هو الذي يزول معه الشعور، بخلاف النعاس الذي يسمع فيه كلام الحاضر، وإن لم يفهم معناه، إلا نوم ممكن مقعده؛ فلا ينقض، سواء كان على أرض أو دابة، لما روى مسلم عن أنس: (أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ينامون، ثم يصلون ولا يتوضؤون) ، ولفظ أبي داود: (كانوا ينتظرون العشاء فينامون حتى تخفق رؤوسهم للأرض، ثم يصلون ولا يتوضؤون) ، وحمل على نوم الممكن جمعًا بين الأحاديث.

وفي «البويطي» : أن النوم ينقض، وبه قال المزني، والصحيح أنه مظنة للحدث، فلو كان مفرط الهزال؛ فهو عند الرافعي محدث مع مكنه، وجعل ابن الرفعة هذا وجهًا، فقال: وفي الهزيل وجه، والمعتمد ما في الرافعي.

وقيل: نوم المحتبي ناقض.

وقيل: النوم في الصلاة لا ينقض ولو كان ساجدًا؛ لما روى البيهقي من رواية أنس، وقال: (ليس بالقوي) ، والدارقطني في «علله» من رواية الحسن، وقال: لا يثبت سماع الحسن من أبي هريرة، وابن شاهين من رواية عطية عن أبي سعيد _وعطية تالف_: (أن النبي صلى الله عليه سلم قال:(إذا نام العبد في سجوده؛ باهى الله به الملائكة فيقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي، وجسده بين يدي) ولقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان:64] ، فأخرجه مخرج المدح.

وعن أبي موسى الأشعري، وابن المسيب وغيرهما: لا ينقض النوم مطلقًا، وإليه ذهب الشيعة.

فإن قيل: إن خروج الريح من القبل ناقض؛ فما فائدة التمكن؟

فجوابه: أن ذلك نادر.

ولا فرق في النائم المتمكن بين أن يكون مستندًا إلى شيء بحيث لو أزيل؛ سقط، أو لم يكن مستندًا على الصحيح.

ولو تحفظ بخرقة ونام غير قاعد؛ انتقض وضوءه، ولو نام على قفاه ملصقًا مقعدته بالأرض؛ انتقض أيضًا.

ولو شك هل نام، أو نعس، أو هل نام متمكنًا أو لا؛ لا ينتقض وضوؤه.

ولو رأى رؤيا، وشك في النوم؛ انتقض وضوؤه.

ولا فرق في نوم المتمكن بين المتربع والمفترش والمتورك، وكذا المحتبي على الأصح.

ولو نام متمكنًا، فسقطت يده على الأرض؛ لم ينتقض ما لم تزل إليته عن التمكن.

ويستحب الوضوء من النوم متمكنًا للخروج من الخلاف.

ومن خصائصه عليه السلام أن وضوءه لا ينتقض بالنوم مضطجعًا؛ لقوله عليه السلام: «إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي» ، وفي حديث شريك: (وكذلك جل الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم) ،

ص 207

ولا معارضة بينه وبين حديث الوادي؛ لأن طلوع الشمس ونحوها مما يدرك بالبصر لا بالقلب.

واعلم أن للنوم عشرة أقوال للناس، الأول: غير ناقض بحال، الثاني: ناقض مطلقًا، الثالث: لا ينقض إلا نوم المضطجع فقط، الرابع: كثيره ينقض مطلقًا دون قليله، الخامس: إذا نام على هيئة من هيئات المصلين لا ينقض سواء كان في الصلاة أم لم يكن، فإن نام مضطجعًا أو مستلقيًا على قفاه؛ انتقض، [السادس: لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد] ، السابع: لا ينتقض إلا نوم الساجد، الثامن: النوم في الصلاة غير ناقض، وخارجها ينقض، التاسع: إن نام ساجدًا في مصلاه؛ فليس عليه وضوء، وإن نام ساجدًا في غير صلاة؛ توضأ، فإن تعمد النوم ساجدًا في الصلاة؛ فعليه الوضوء، العاشر: إن نام جالسًا ممكنًا مقعدته من الأرض؛ فلا نقض، وإلا نقض، قل أو كثر، في الصلاة أو خارجها.

إن قيل: مخرج هذه الترجمة من الحديث، ومضمونها: أنه لا يتوضأ من النعاس الخفيف، ومضمون الحديث: النهي عن الصلاة مع النعاس؟

قلت: إما أن يكون تلقَّاها من مفهوم تعليل النهي عن الصلاة حينئذ بذهاب العقل المؤدي إلى أن يعكس الأمر؛ يريد أن يدعو، فيسب نفسه، دل أنه إن لم يبلغ هذا المبلغ؛ صلى.

وإما أن يكون تلقَّاها من كونه إذا بدأ به النعاس وهو في النافلة؛ اقتصر على إتمام ما هو فيه، ولم يستأنف أخرى، فتماديه على ما كان فيه يدل على أن النعاس اليسير لا ينافي الطهارة، وليس بصريح في الحديث، بل يحتمل قطع الصلاة التي هو فيها، ويحتمل النهي عن استئناف شيء آخر، والأول أظهر.

(النَّعْسَةِ) : _نعَس ينعَس؛ بفتح العين في الماضي، والعامة تضمها، وهو خطأ، وبالفتح والضم في المضارع_ السِّنة، والنوم: الغلبة على العقل، وسقوط حاسة البصر وغيرها من الحواس، والنعاس يغير الحواس من غير سقوطها، وفي بعض كتب اللغة: النعاس: النوم، وفيه تجوز.

(الْخَفْقَةِ) : يقال: خفق الرجل إذا حرك رأسه وهو ناعس.

إشارة: فيه أمر النَّاعس بالنوم أو نحوه مما يذهب عنه النعاس، وهذا عامٌّ في صلاة الفرض والنفل، في الليل والنهار، وهذا مذهب الشافعي والجمهور، لكن لا يخرج الفريضة عن وقتها.

واعلم أنَّ النائم معذور في تأخير الصلاة، والمراد من استغرق الوقت بالنوم، أمَّا من دخل عليه الوقت ثم نام؛ فإن ظنَّ أنه لا يستيقظ قبل خروجه؛ أثم، وكذا إن احتمل ألا يستيقظ كما أفتى به ابن الصلاح والسبكي.

ومن ظن قبل دخول الوقت أنَّه إذا نام؛ استغرق الوقت، جزم السبكي بأنه لا يأثم؛ لأنَّه لم يخاطب بها قبل الوقت، انتهى

وحمله مالك وجماعة على نفل الليل؛ لأنَّها محل النوم غالبًا.

وقد ذكر عليه السلام العلَّة وهي: خلط الاستغفار بالسبِّ، ومن صار في مثل هذه الحالة من ثقل النوم؛ أدَّى إلى نقض طهارته، وبطلان صلاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت