(18) (بابُ مَنْ قَالَ ... ) ؛ الترجمة: إن قلت: العمل إمَّا أن يُراد به عملُ القلب؛ أيِ: التصديق؛ فلا يطابقه الاستشهاد بقول العدَّة؛ لأنَّه قول، أو عمل اللسان، أو يُراد به عملُ الجوارح، أو عمل اللسان، أو مجموع الأعمال؛ فلا يناسبه الحديث؛ إذِ الإيمان بالله فيه هو عمل القلب فقط بقرينة ذكر الجهاد والحجِّ بعده.
قلت: المراد به المجموع، والاستدلال عليه بمجموع الآيات والحديث؛ إذ يدلُّ كلٌّ من القرآن والسنَّة على بعض الدعوى بحيث يدلُّ الكلُّ على الكلِّ.
( {أُورِثْتُمُوهَا} [الزخرف:72] ) : إن قلت: معنى الإيراث: إبقاء المال بعد الموت، وحقيقته ممتنعة على الله تعالى، فما معنى الإيراث ههنا؟
قلت: إمَّا أن يكون الموروث هو الكافر؛ يعني: لولا كفره؛ لكان له نصيبٌ منها، فانتقل منه بسبب كفره الذي هو موت الأرواح [إلى المؤمن] ،
ص 47
وإمَّا أن يكون هو الله، فهو مجاز عن الإعطاء على سبيل التشبيه لهذا الإعطاء بالإيراث، أو عن مجرَّد الإبقاء، على سبيل إطلاق الكلِّ وإرادة الجزء، قاله الكرمانيُّ، وقال ابن الملقِّن: معنى الإرث في الآية: صيرورتها.
فائدة: قال النوويُّ: الظاهر المختار أنَّ معناه: لنسألنَّهم عن أعمالهم كلِّها؛ أي: الأعمال التي يتعلَّق بها التكليف، وقول هؤلاء الذين نقل عنهم البخاريُّ أنَّ المراد من (لا إله إلا الله) مجرَّد دعوى التخصيص بذلك، فلا يُقبَل، نعم؛ هو داخل في عموم الأعمال، وفي «مُسنَد أبي يعلى» من حديث أنس مرفوعًا ما يوافق ما نقله عنهم، لكنَّ في إسناده ليثَ بن أبي سُليم، وهو ضعيف.
فائدة: قوله تعالى: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} : (ما) إمَّا مصدريَّة أو موصولة؛ فمعناه: بعملكم أو بالذي، والباء هنا: للملابسة، ليست للسببيَّة؛ أي: إنَّما أُورِثتموها ملابسةً لأعمالكم؛ أي: لثواب أعمالكم، أو للمقابلة؛ نحو: أعطيت الشاة بالدرهم، أو أنَّ الجنَّة في تلك الآية جنَّةٌ خاصَّة؛ أي: تلك الخاصَّة الرفيعة العالية بسبب الأعمال، وأمَّا أصل الدخول؛ فبرحمة الله تعالى لا بالعمل.
وملخَّصه: أنَّ أصل الجنَّة بالفضل، والدرجات بالأعمال، أو أنَّ الدخول ليس بالعمل، والإدخال المستفاد من الإيراث بالعمل، قال النوويُّ: الجواب: أنَّ دخول الجنَّة بسبب العمل، والعمل برحمة الله تعالى، قال الكرمانيُّ: المقدِّمة الأولى خلاف صريح الحديث، فلا يُلتفَت إليها.
فائدة: بدأ هنا بالإيمان، ثمَّ بالجهاد، ثمَّ بالحجِّ، وفي حديث ابن مسعود [خ¦527] : بالصلاة لميقاتها، ثمَّ برِّ الوالدين، ثمَّ الحجِّ، وفي حديث أبي ذرٍّ [خ¦2518] : لم يذكر الحجَّ، وفي حديث أبي موسى السالف [خ¦11] : أيُّ الإيمان خير؟ قال: «تطعم الطعام ... » إلى آخره، والجمع من وجوه؛ أشبهها: أنَّه جرى على اختلاف الأحوال والأشخاص، كما رُوِي أنَّه عليه السلام قال: «حجَّة لمن لم يحجَّ أفضل من أربعين غزوة، وغزوة لمن حجَّ أفضل من أربعين حجَّة» ، فأعلمَ كلَّ قوم بما تمسُّ حاجتهم إليه، وذكر ما يعلمه السائل وأهل المجلس من دعائم الإسلام، ولا بلغه علمه، وترك ما علموه؛ ولهذا أسقط ذكر الصلاة، والزكاة، والصيام في حديث الباب، وأثبت فيه الجهاد والحجَّ، ولا شكَّ أنَّ الصلاة والزكاة والصوم مُقدَّماتٌ على الحجِّ والجهاد، فقد يكون الجهاد في حقِّ شخص أولى من غيره، الثاني: أنَّ لفظة (من) مزادة، والمراد: من أفضل الأعمال، وقدَّم الجهاد في هذا مع أنَّ الحجَّ أحد الأركان، والجهاد فرض كفاية؛ لأنَّ الجهاد قد يتعيَّن كسائر فروض الكفايات، وإذا لم يتعيَّن؛ لم يقع إلَّا فرض كفاية، وأمَّا الحجُّ؛ فالواجب منه مرَّة فقط، وما زاد؛ نفلٌ، فإن قابلت واجب الحجِّ بمتعيِّن الجهاد؛ كان الجهاد أفضل بهذا الحديث، ولأنَّه شارك الحجَّ في الفرضيَّة، وزاد بشيء يتعدَّى نفعه إلى سائر الأمَّة، ولكونه ذبًّا عن بيضة الإسلام؛ بذلًا للنفس والمال، وغير ذلك، فإن قابلت نفل الحجِّ بغير متعيِّن الجهاد؛ كان الجهاد أفضل؛ لما ذكرناه، ولأنَّه يقع فرض كفاية، وهو أفضل من النفل بلا شكٍّ، بل قال إمام الحرمين: (فرض الكفاية عندي أفضل من فرض العين؛ من حيث إنَّه يقع فعله مسقطًا للحرج عن الأمَّة بأسرها، وبتركه يعصي المتمكِّنون منه كلُّهم، ولا شكَّ في عِظَم موقع ما هذه صفته) ، وقيل: إنَّما قُدِّم؛ لشدَّة الحاجة إليه أوَّل الإسلام.
ص 48
فائدة: إن قلت: لمَ عرَّف الجهاد ونكَّر الإيمان والحجَّ؟
قلت: أمَّا من جهة النحو، فنقلته في «توضيحي» ، وأمَّا من جهة المعاني، فهو أنَّ الإيمان والحجَّ لا يتكرَّر وجوبه؛ بخلاف الجهاد فإنَّه قد يتكرَّر، فالتنوين للإفراد الشخصيِّ، والتعريف للكمال؛ إذِ الجهاد لو أتى به مرَّةً مع الاحتياج إلى التكرار؛ لما كان أفضل.
فائدة: إن قلت: كيف يُجمَع بين الآية السالفة في السؤال والآية الأخرى وهو: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن:39] ؟
فالجواب: أنَّ في القيامة مواطنَ، الثاني: أنَّهم لا يُسألون سؤال استخبار.
تتمَّة: في كلمة (لا إله إلَّا الله) أسرارٌ؛ منها: أنَّ جميع حروفها جوفيَّةٌ ليس فيها حرفٌ شفهيٌّ؛ إشارةً إلى الإتيان بها من خالص الجوف، وهو القلب، ومنها: أنَّه ليس فيها حرفٌ معجم؛ إشارةً إلى التجرُّد عن كلِّ معبود سواه، ومنها: أنَّها اثنا عشر حرفًا كشهور السنة؛ منها أربعةٌ حرم، وهي الجلالة، حرف فرد، وثلاثة سرد، وهي أفضل كلماتها كما أنَّ الحُرُمَ أفضلُ السنة؛ فمن قالها مخلصًا؛ كُفِّرت عنه ذنوب سنته، ومنها: أنَّ الليل والنهار أربعٌ وعشرون ساعةً، وهي و (محمَّدٌ رسول الله) أربعةٌ وعشرون حرفًا، كلُّ حرف منها يكفِّر ذنوب ساعة.
وقال الفخر الرازي: وهي سبع كلمات، والعبد سبعة أعضاء، والنار سبعة أبواب، فكلُّ كلمة من الكلمات السبع تغلق بابًا من الأبواب السبعة عن عضو من الأعضاء السبعة.
خاتمة: الحجُّ المبرور: الذي لا يخالطه شيءٌ من المأثم، أو المتقبَّل، أو الصادق والخالص لله تعالى، ويستشكل الثاني من حيث إنَّه لا اطِّلاع على القبول، وجوابه: أنَّه قد قيل: إنَّ من علامات القبول أن يزداد بعده خيرًا، وفي «مُسنَد أحمد» : «الحجُّ المبرور: إطعام الطعام، وإفشاء السلام» .