فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 415

27 - (أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ) : إن قلت: السياق يقتضي أن يُقال: أعجبهم إليه؛ حيث قال: (وسعدٌ جالسٌ) ، ولم يقل: وأنا جالس.

قلت: هذا التفاتٌ من الغيبة إلى التكلُّم.

فإن قلت: فهل في قوله: (وسعدٌ جالسٌ) التفاتٌ؛ حيث لم يقل: وأنا؟

قلت: فيه خلافٌ عند علماء المعاني؛ من قال: الانتقال من التكلُّم والخطاب والغيبة لابدَّ أن يكون محقَّقًا؛ فلا التفات عنده؛ إذ لا نقل حقيقة، ومن قال: الانتقال فيه أعمُّ من أن يكون محقَّقًا أو مقدَّرًا كما هو مذهب صاحب «المفتاح» ؛ ففيه أيضًا التفاتٌ من التكلُّم الذي هو مقتضى المقام إلى الغيبة، ومعناه: أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي.

(لأَرَاه) : بفتح الهمزة ولا يجوز ضمُّها، قال النوويُّ: على أن يُجعَل بمعنى: (أظنُّه) ؛ لأنَّه قال: (ثمَّ غلبني ما أعلم منه) ، ولأنَّه راجَعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مرارًا، فلو لم يكن جازمًا باعتقاده؛ لما كرَّر المراجعة.

قال الكرمانيُّ:

ص 49

ويجوز الضمُّ؛ كما في بعض الروايات، ويكون (أعلم) بمعنى: أظنُّ؛ كما في قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة:10] ؛ بمعنى: ظننتموهنَّ، والرجوع مرارًا لا يستلزم الجزم؛ لأنَّ الظنَّ يلزم متابعته اتِّفاقًا، انتهى

وقال القرطبيُّ _وهو أبو العبَّاس_: (إنَّ الرواية بالضمِّ، فهو منه حلفٌ على ما ظنَّه، ولم ينكر عليه، فهو دليل على جواز الحلف على الظنِّ، وهو يمين اللغو، وهو قول مالك والجمهور) ، وعند الشافعيِّ: إن سبق لسانه إلى اليمين من غير أن يقصده؛ كـ (لا والله) ، و (بلى والله) .

(أَوْ مُسْلِمًا) : بإسكان الواو، قال النوويُّ: ليس فيه إنكارٌ كونه مؤمنًا، بل معناه: النهيُ عنِ القطع بالإيمان لعدم موجب القطع، وقد غلط من توهَّم كونه حكمًا بعدم الإيمان، بل في الحديث إشارةٌ إلى إيمانه؛ وهو قوله: «لأعطي الرجل وغيره أحبُّ إليَّ منه» .

قال الكرمانيُّ: فعلى هذا التقدير لا يكون الحديث دالًّا على ما عُقِد له الباب، وأيضًا لا يكون لردِّ الرسول عليه السلام على سعد فائدةٌ، ولئن سلَّمنا أنَّ فيه إشارةً إليه؛ فذلك حصل بعد تكرار سعد إخباره بإيمانه، وجاز أن ينكر أوَّلًا، ثمَّ يسلِّم آخرًا؛ لحصول أمر يفيد العلم به.

(أَنْ يَكُبَّهُ) : بفتح أوَّله، وضمِّ الكاف، ثلاثيٌّ، يُقال: أكبَّ الرجل، وكبَّه الله، وهذا بناء غريب، فإنَّ المعروف أن يكون الفعل اللازم بغير همز، فيُعدَّى بها، وهذا عكسه، وقد أشار إلى ذلك البخاريُّ في «صحيحه» في كتاب (الزكاة) [خ¦1478] .

فائدة: لا يلزم من هذا أن يكون ذلك الرجل ممَّن قويَ في الإيمان؛ لاحتمال أن يكون المراد منه غيره؛ تعريضًا بنحو سعد.

فإن قلت: هذا النوع من الكلام أهو مجازٌ أم كناية؟

قلت: الكبُّ في النار لازم الكفر، فأطلق اللازم وأراد الملزوم، فهو كناية.

فإن قلت: لمَ لا يكون مجازًا من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم؛ إذِ الملازمة في الكناية لا بدَّ أن تكون مساويةً، وإن اعترضت بأنَّ الكبَّ قد يكون للمعصية، فلا يستلزم الكفر؛ أجيب: بأنَّ المراد من الكبِّ: كبٌّ مخصوص لا يكون إلَّا للكافر، وإلَّا؛ فلا تصحُّ الكناية أيضًا.

قلت: شرط المجاز امتناع اجتماع معنى المجاز والحقيقة، وههنا لا امتناع في اجتماع الكفر والكبِّ، فهو كناية لا غير.

فائدة: استدلَّ بالحديث جماعةٌ من العلماء على جواز قول المسلم: (أنا مؤمن) مطلقًا من غير تقييد بقوله: (إن شاء الله) ، وهذه المسألة فيها خلافٌ للصحابة فمَنْ بعدهم، قال ابن الملقِّن: فمنعت طائفة، وقالوا: يقرنه بالمشيئة، وحُكِي هذا عن أكثر المتكلِّمين، وجوَّزته أخرى، وهو المختار وقول أهل التحقيق، وذهبت طائفة ثالثة إلى جواز الأمرين، وهو حسن، والمقالات الثلاث صحيحة باعتبارات مختلفة، فمن أطلق؛ نظر إلى الحال، فإنَّ أحكام الإيمان جاريةٌ عليه في الحال، ومن استثنى؛ أراد التبرُّك أو اعتبار العاقبة، ومن خيَّر؛ نظر إلى الحالين ورفع الاختلاف، انتهى

وقال بعضهم: لا بدعَ ولا إشكالَ في العبارة المعزوَّة إلى الشافعيِّ في قوله: أنا مؤمن إن شاء الله، فهي مرويَّة عن عمر، وصحَّت عن

ص 50

ابن مسعود، وهي قول أكثر السلف، والشافعيَّة، والمالكيَّة، والحنابلة، وسفيان الثوريِّ، والأشعريَّة، والكلابيَّة، وحُكِي عن أبي حنيفة إنكارُها، والقائلون بجواز قولها اختلفوا في الوجوب، وذكر العلماء لها محاملَ كثيرة، والصواب عدم الاحتياج إلى تلك المحامل؛ لأنَّ حقيقة (أنا مؤمن) هو جواب الشرط أو دليل الجواب، وكلٌّ منهما لا بدَّ أن يكون مستقلًّا، فمعناه: أنا مؤمن في المستقبل إن شاء الله، وحينئذٍ لا حاجة إلى تأويل، بل تعليقه واضح مأمور به بقوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله} [الكهف:23 - 24] ، والمسألة طويلة.

خاتمة: فيه دلالةٌ لمذهب أهل الحقِّ في قولهم: إنَّ الإقرار باللسان لا ينفع إلَّا إذا اقترن به اعتقاد القلب؛ خلافًا للكرَّاميَّة وغلاة المرجئة في قولهم: يكفي الإقرار، وهذا ظاهر الخطأ، يردُّه إجماعُ الأمَّة والنصوص المتظاهرة في إكفار المنافقين، وهذه صفتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت