فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 415

2 - (أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ) : هذا الحديث أدخله الحُفَّاظ في مُسنَد عائشة دون الحارث، وليس للحارث هذا في «البخاريِّ» و «مسلم» روايةٌ، وإنَّما له روايةٌ في «ابن ماجه» فقط، وعدَّه ابن الجوزيِّ فيمن روى مِنَ الصحابة حديثين؛ مراده: في غير «الصحيحين» ، وليس في الصحابة في «البخاريِّ» و «مسلم» مَن اسمه الحارث غير ابنِ ربعيٍّ أبي قتادة، على أحد الأقوال في اسمه، وابنِ عوف أبي واقد الليثيِّ، وهما بكنيتهما أشهرُ، وأمَّا خارج «الصحيحين» ؛ فجماعاتٌ كثيرون فوق المئة وخمسين، وليس في الصحابة الحارث بن هشام إلَّا هذا وإلَّا الحارث بن هشام الجُهَنِيَّ، روى عنه المصريُّون، ذكره ابن عبد البَرِّ.

فائدة: قال العلماء: أزواجُه عليه السَّلام أمَّهاتُ المؤمنين في وجوب احترامهنَّ، وتحريم نكاحهنَّ، لا في جواز الخلوة، والنظر، وتحريمِ نكاح بناتهنَّ.

وهل يُقال لإخوتهنَّ: أخوال المؤمنين، ولأخواتهنَّ: خالاتهم، ولبناتهنَّ: أخواتهم؟ فيه خلاف، ولا يُقال لآبائهنَّ وأمَّهاتهنَّ: أجداد المؤمنين وجدَّاتهم، وهل يُقال: إنَّهنَّ أمَّهات المؤمنات؟ مبنيٌّ على الخلاف المعروف في أصول الفقه أنَّ النساء هل يدخلنَ في خطاب الرجال؟ قالت عائشة: (أنا أمُّ رجالكم، لا أمُّ نسائكم) ، وهل يُقال للنبيِّ عليه السلام: أبو المؤمنين؟ الأصحُّ: الجواز، ومعنى قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} [الأحزاب:40] ؛ أي: لصُلْبِه.

(كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟) : إسنادُ الإتيان إلى الوحي من باب المجاز، ومثله تارةً يُسمَّى بالمجاز العقليِّ، والمجاز في الإسناد، وأصله: كيف يأتيك حامل الوحي؟ _قال العلَّامة البِرماويُّ بعد ذكره كلام الكرمانيِّ: (هذا فيه نظرٌ من وجهين؛ أحدهما: أنَّه قُدِّر مضاف، وهو «حامل» ؛ لأنَّه مجاز الحذف، وثانيهما: يصير السؤال عن كيفيَّة إتيان حامل الوحي، لا عن كيفيَّة وصول الوحي) ، انتهى _ فأُسنِد إلى الوحي للملابسة التي بين الحامل والمحمول_ وتارةً يُسمَّى بالاستعارة بالكناية؛ أي: شُبِّه الوحيُ برجلٍ مثلًا، وأُضيف إلى المشبَّه الإتيانُ الذي هو من خواصِّ المشبَّه به، ثمَّ لعلَّ المراد منه السؤال عن كيفيَّة ابتداء الوحي، أو عن كيفيَّة ظهور الوحي؛ ليوافق ترجمة الباب، قاله الكرمانيُّ، وقال ابن الملقِّن: (وهو بيان لكيفيَّة الوحي، لا لكيفيَّة بدوِّه) .

(أَحْيَانًا) : (الأحيان) : الأوقات، جمع (حين) ، يقع على القليل والكثير.

(صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ) : الصَّوت المتدارك الذي لا يُفهَم أوَّل وَهْلة؛ يريد: أنَّه صوتٌ متدارك يسمعه ولا يُثبِته أوَّل ما يقرع سَمْعَه حتَّى يفهمه من بعدُ، قيل: الحكمة في ذلك أن يتفرَّغ سمعُه، ولا يبقى فيه مكانٌ لغير صوت الملَك ولا في قلبه.

ص 8

وقال بعضهم: (قيل: معنى الحديث: هو قوَّة صوت حفيف أجنحة الملائكة؛ لتشغله عن غير ذلك، وتؤيِّده رواية: «كأنَّه سلسلة على صفوان» [خ¦4800] ؛ أي: حفيف الأجنحة) ، انتهى.

ولمَّا كان صوت السلسلة والجرس أخفَّ الأصوات مشقَّةً على النفس؛ نبَّهه بمثل ذلك؛ إذ لو نبَّهه بأعلى من ذلك صوتًا؛ لَما احتمله، وقال شيخ الإسلام البلقينيُّ بعد إيراد ما قدَّمنا من الحكمة في ذلك: وهذا فيه نظر، وإنَّما الحكمة في ذلك إظهار عِظَمِ هذا الأمر، وتفخيم مقدِّماته، وسيأتي ما يشهد لذلك في حديث أبي هريرة: «إذا قضى الله الأمر في السماء ... » [خ¦4800] ، وفي هذا التمثيل دليلٌ على جواز تشبيه أفعال الملائكة بما يكون من الجمادات مماثلًا لذلك الفعل؛ لقصد الإعلام به.

فإن قيل: فقضيَّة هذا التشبيه أن يكون ممدوحًا، فما بالُه كُرِهت صحبتُه في السفر؟ وكيف يفعل الملَك أمرًا تنفر من مثله الملائكة؟

فالجواب: أنَّ المراد تشبيه صوتٍ شديدٍ بصوتٍ شديد على وجه خاصٍّ، وذلك لا يقتضي أن يكون الجرس في نفسه ممدوحًا، ألا ترى إلى قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} [الحجر:73] ، وهي صيحة جبريل، وإلى صوت الرعد وما فيه من الأمور المشهورة؛ لإظهار العظمة والتخويف، وإنَّ الإنسان يُنهى عن تعاطي الصيحة العظيمة عند الاختيار، لا عند الاحتياج إلى ذلك، وقال شيخنا في «شرحه» : (ويحتمل أن يكون النهي عنه وَقَع بعد السؤال المذكور، وفيه نظرٌ) .

والصلصلة المذكورة: صوت الملَك بالوحي، ولمَّا كان الجرس لا يُحصِّل صلصلةً إلَّا متداركة؛ وقع التشبيه به دون غيره من الآلات.

فائدة: قال بعضهم: (إنَّ الله تعالى خلق الحروف في العالم اللَّوحيِّ أشكالًا مستديرةً كلَّها _أعني: الثمانية والعشرين حرفًا_ وجعل في باطن استدارتها نورانيَّةً مُشكَّلةً على هيئة الحروف، فالوحي ينزل بحرف الدائرة بالمعنى الذي فيه من عالَم الأنوار؛ فلذلك شبَّهه النبيُّ عليه السلام بصلصلة الجرس؛ وذلك أنَّ الجرس دائرة مستديرة، والناقر فيه كبروز الحس يشبه جرسه، فكأنَّه _أعني: القلب الجرسيَّ_ إذا طلب حركة البروز؛ تلقَّته إحاطة الجرسيَّة، فمنعتْه، فيكون ذلك الانصراخ سرَّ الانزعاج، ومَن فهِمَ سرَّ الميم؛ بدا له سرُّ صلصلة الجرس في الوحي التنزيليِّ، وأمَّا الفرق بينه وبين جرِّ السلسلة على الصَّفا؛ فهو أنَّ جرس الصلصلة حركةٌ روحانيَّة، وحركة السلسلة حركة جسمانيَّة) ، انتهى

قال شيخ الإسلام البلقينيُّ: (وهذه مقالةٌ لا يقوم عليها في الظاهر دلالة) .

(فَيفصمُ عَنِّي) ؛ بفتح الياء وإسكان الفاء وكسر الصاد، وبضمِّها وفتح ثالثه، وبضمِّها وكسر ثالثه: يُقلع ويَنفصل، وفيه سرٌّ لطيف، وإشارةٌ خفيَّة إلى أنَّها بينونة من غير انقطاع، وأنَّ المَلَك يفارقه ليعود إليه، والفصم: القطع من غير بينونة؛ بخلاف القَصْم _بالقاف_ الذي هو كسرٌ وبينونة.

ص 9

(رَجُلًا) : يحتمل أنَّ الله تعالى يُفني الزائدَ مِن خلقِه ثمَّ يعيده إليه، ويحتمل أنَّه يُزيله عنه، ثمَّ يعيده إليه بعد التبليغ، وأمَّا التداخل؛ فلا يصحُّ على مذهب أهل الحقِّ.

وقال شيخ الإسلام البلقينيُّ: يجوز أن يكون هو جبريل بشكله الأصليِّ، إلَّا أنَّه انضمَّ فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك؛ عاد إلى هيئته، ومثَّله بالقطن إذا جُمِعَ بعد الانتفاش.

وقال العلَّامة ابن عبد السلام: (إن قيل: إذا لقي جبريلُ النبيَّ عليه السلام في صورة دِحْية؛ فأين تكون روحه؟ فإن كان في الجسد الذي له ستُّ مئة جناح؛ فالذي أتى لا روحُ جبريل ولا جسدُه، وإن كانت في هذا الذي هو في صورة دحية؛ فهل يموت الجسد العظيم أم يبقى خاليًا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبَّه بجسد دحية؟)

ثمَّ أجاب: (بأنَّه لا يبعد ألَّا يكون انتقالها موجبًا موتَه، فيبقى الجسد حيًّا لا ينقص من معارفه شيء، ويكون انتقال روحه من الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيرٍ خُضْر، قال: وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلًا، بل بعادةٍ أجراها الله تعالى في بني آدم، فلا يلزم في غيرهم) .

فائدة: حكى القرافيُّ خلافًا للعلماء في ابتداء الوحي؛ هل كان جبريل عليه السلام ينقل له مَلَكٌ عن الله تعالى أو يُخلَق له علمٌ ضروريٌّ بأنَّ الله طلب منه أن يأتيَ محمَّدًا أو غيرَه من الأنبياء بسور كذا، أو خلق له علمًا ضروريًّا بأن يأتيَ اللوح المحفوظ فينقل من؟

(فَأَعِي) : إن قلت: لمَ قال في الأوَّل: (وَعَيتُ) بلفظ الماضي، وفي الثاني: (فأعي) بلفظ المضارع؟

قلت: لأنَّ الوعيَ في الأوَّل حصل قبل الفصم، ولا يُتصوَّر بعده، وفي الثاني الوعي حالَ المكالمة، ولا يُتصوَّر قَبلها، ولأنَّه كان الوعي في الأوَّل عند غلبة التلبُّس بالصفات المَلَكيَّة، فإذا عاد إلى حالته الجِبِلِّيَّة؛ كان حافظًا، فأخبر عن الماضي؛ بخلاف الثاني، فإنَّه على حالته المعهودة، أو تقول: لفظة (قد) تقرِّب الماضي إلى الحال، و (أعي) فعلٌ مضارعٌ للحال، فهذا لمَّا كان صريحًا؛ يحفظه في الحال، وذاك يَقْرُب من أن يُحفَظ أو يحتاج فيه إلى استثبات، والله أعلم.

فائدة: الشدَّة إمَّا لحسن حفظٍ، وإمَّا لابتلاء صبره، وإمَّا للخوف مِنَ التقصير.

فائدة: ذَكَر في هذا الحديث حالتين من أحوال الوحي؛ وهما: «مثل صلصلة الجرس» ، وتمثُّل المَلَك رجلًا، ولم يذكر الرؤيا الصالحة، مع إعلامه لنا أنَّ رؤياه حقٌّ؛ لوجهين؛ أحدهما: أنَّ الرؤيا الصالحة قد يَشْرَكُه فيها غيره، بخلاف الأوَّلَين، أو لعلَّه عَلِمَ أنَّ قصد السائل بسؤاله ما خُصَّ به، ولا يُعرف إلَّا من جهته.

فائدة: الوحي أصله: الإعلام في خفاءٍ وسُرعة، ثمَّ الوحي في حقِّ الأنبياء عليهم السلام على ثلاثة أضرب:

ص 10

أحدها: سماع الكلام القديم؛ كسماع موسى عليه السلام بنصِّ القرآن، ونبيِّنا عليه السلام بصحيح الآثار.

ثانيها: وحي رسالةٍ بواسطة الملك.

ثالثها: وحي يُلقى بالقلب، وقيل: كان هذا حال داود عليه السلام، وجاء عن نبيِّنا عليه السلام مثله؛ كقوله: «إنَّ روح القُدس نَفَثَ في رُوعي» .

والوحي إلى غير الأنبياء: بمعنى الإلهام؛ كالوحي إلى النَّحْل، وبمعنى الإشارة؛ {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} [إبراهيم:13] ، وقيل في هذا: كتب، وبمعنى الأمر؛ كقوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ} [المائدة:111] ، قيل: أمرتهم، وقيل: ألهمتهم، يُقال: أوحى وَوَحَى.

ثمَّ اعلم أنَّ في كيفيَّة نزول الوحي عليه عليه السلام سبعَ صورٍ:

الأولى: المنام، ثانيها: أن ينفث في رُوعه، ثالثها: أن يأتيَه الوحيُ في مثل صلصلة الجرس، رابعها: أن يتمثَّل له المَلَك رجلًا، خامسها: أن يتراءى له جبريل في صورته التي خلقه الله عليها، له ستُّ مئة جناحٍ ينتثر منها اللؤلؤ والياقوت، سادسها: أن يكلِّمه الله من وراء حجاب؛ إمَّا في اليقظة؛ كليلة الإسراء، وإمَّا في النوم؛ كما في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما: «أتاني ربِّي في أحسن صورة ... » ؛ الحديث، سابعها: وحي إسرافيل؛ كما ثبت عن عامر بن شَراحيل الشَّعْبيِّ: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وُكِّل به إسرافيل، فكان يتراءى له ثلاثَ سنين، ويأتيه بالكلمة والشيء، ثمَّ وُكِّل به جبريل، والواقديُّ أنكر كونه وُكِّل به غيرُ جبريل.

وعن الحَليميِّ: أنَّ الوحيَ كان يأتيه على ستَّةٍ وأربعين نوعًا، وقد حاول تَعْدادها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت