فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 415

1 - (الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيرِ) : نسبةً إلى حُميد؛ بضمِّ الحاء المهملة، بطن من أسَد بن عبد العُزَّى بن أسد، أو نسبةً إلى جدِّه حُميد، أو نسبةً إلى الحُمَيدات؛ قبيلة، وفي «البخاريِّ» في (تفسير براءة) : (الحميدات) [خ¦4665] ؛ بطن من قريش، وقدَّمه دون بقيَّة مشايخه وإن كان هذا الحديث يُروى من غير طريقه؛ لأنَّه قرشيٌّ، ويحتمل غيرَ ذلك من المعاني، وفي الحديث: «قدِّموا قريشًا» ، وله مناسبةٌ أخرى؛ لأنَّه مكِّيٌّ كشيخه، فناسب أن يُذكَر في أوَّل ترجمة بُدوِّ الوحي؛ لأنَّ ابتداءه كان بمكَّة، ومن ثَمَّ ثنَّى بالرواية عن مالك؛ لأنَّه شيخ أهل المدينة، وهي تاليةٌ لمكَّة في نزول الوحي، وفي جميع الفضائل.

فائدة: في الكتب السِّتَّة (عبد الله بن الزُّبير) ثلاثة: هذا أحدهم، الثاني: الصحابيُّ، الثالث: البصريُّ، روى له ابن ماجه، والترمذيُّ في «الشمائل» ، وفي الصحابة أيضًا: عبد الله بن الزُّبير بن عبد المطَّلب بن هاشم، وليس لهما ثالثٌ في الصحابة.

(سُفْيَانُ) : هو ابن عيينة؛ بكسر العين وضمِّها، وهو مثلَّث السين.

فائدة: مِن لطائف هذا الإسناد: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ؛ وهما: يحيى ومحمَّد التَّيميُّ، وإن شئتَ؛ قلتَ: فيه ثلاثةٌ تابعيُّون؛ بزيادة علقمة؛ على قول الجمهور: إنَّه تابعيٌّ، لا صحابيٌّ، ورواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ على قولِ مَن عدَّه صحابيًّا.

فائدة: من الغريب العزيز روايةُ ستَّة من التابعين بعضهم عن بعض، وهو حديث منصور بن المعتمر، عن هلال بن يَساف، عن الربيع بن خُثَيم، عن عَمرو بن ميمون الأَوديِّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأةٍ من الأنصار، عن أبي أيُّوب، عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أنَّ {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} تعدِلُ ثُلُث القرآن» ، وقد رُوِيَ هذا الحديث أيضًا من طريق سبعةٍ من التابعين من حديث أبي إسحاق الشيبانيِّ، عن عمرو بن مُرَّة، عن هلال _هو ابن يَساف_ عن عَمْرو _هو ابن عوفٍ_ عن الربيع _هو ابن الخُثَيم_ عن عبد الرَّحمن هو ابن أبي ليلى.

فائدة: تنبَّه لقولتينِ ساقطتينِ:

الأولى: في كتاب «تهذيب مُسْتمرِّ الأوهام» لابن ماكولا أنَّه يُقال: إنَّ يحيى بن سعيد لم يسمع هذا الحديث من التيميِّ.

الثانية: ذكرها هو أيضًا في موضعٍ آخَرَ: أنَّه يُقال: لم يسمعه التيميُّ من علقمة.

ومثلُهما في الوهن قولُ ابن جرير الطبريِّ في «تهذيب الآثار» : (إنَّ هذا الحديث قد يكون عند بعضهم مردودًا؛ لأنَّه حديثٌ فرد) .

(إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) : (إِنَّمَا) موصولة للحصر؛ تُثبِت المذكور، وتنفي ما عداه، هذا مذهب الجمهور من أهل اللُّغة والأصول وغيرهما، وعلى هذا هل هو بالمنطوق أو بالمفهوم؟ فيه مذهبان حكاهما ابن الحاجِب، ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنَّه بالمنطوق، واختار الآمديُّ أنَّها لا تفيد الحصر، بل تفيد تأكيد الإثبات، وهو الصحيح عند النَّحْويِّين، وقيل: تُفيدُه وَضْعًا لا عُرْفًا، حكاه بعضُ المتأخِّرين.

وللحصر أدواتٌ؛ منها: حصر المبتدأ في الخبر؛ نحو: العالم زيد، ومنها: تقديم المعمولات، على ما قاله الزمخشريُّ وجماعةٌ؛ نَحْو: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة:5] ، ومنها: (إلَّا) على اختلافٍ فيها، ومنها: لام (كي) ؛ كقوله تعالى: {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل:8] ، قاله الباجيُّ، ومنها: السَّبْر والتقسيم؛ نحو: إن لم يكن زيدٌ متحرِّكًا؛ فهو ساكن.

وفي الحديث مع (إنَّما) صيغة حصرٍ أخرى؛ وهي المبتدأ والخبر الواقع بعده، وقد رواه البخاريُّ مرَّةً بإسقاط (إنَّما) [خ¦54] ، فكلٌّ منهما إذا انفرد يفيد ما أفاده الآخر، واجتماعُهما آكَدُ.

فائدة: حرف التعريف ليس لتعريف الماهيَّة؛ لأنَّ المفتقِر إلى النيَّة أفرادُ الأعمال، لا مطلق الأعمال من حيث الإطلاق، فهو إذًا إمَّا للعموم خُصَّ به البعض بالإجماع، أو للعهد؛ فالمعهود هو الأعمال التي عُهِدت من قبل الشرع، ويؤيِّده ما قيل: إنَّ المراد من الأعمال العبادات؛ لأنَّ غيرها لا يفتقر إلى النيَّة.

فائدة: النيَّة عبارة عن انبعاث القلب نَحْوَ ما يراه موافقًا لغرضٍ من جلب نفعٍ أو دفعِ ضرٍّ، حالًا أو مآلًا، والشرع خصَّصها بالإرادة المتوجِّهة نَحْوَ الفعل؛ ابتغاءً لوجه الله تعالى،

ص 4

وامتثالًا لحكمه.

والنيَّة في الحديث محمولةٌ على المعنى اللغويِّ؛ ليحسُن تطبيقُه لِما بعده، وتقسيمُه إلى من كانت هجرته إلى كذا وكذا، فإنَّه تفصيل لِما أجمله، واستنباطٌ للمقصود عمَّا أصَّله.

والحديث متروك الظاهر؛ لأنَّ الذواتِ غيرُ منتفية، والمراد به نفيُ أحكامها كالصحَّة والفضيلة، والحمل على نفي الصحَّة أَولى؛ لأنَّه أشبهُ بنفي الشيء بنفسه، ولأنَّ اللفظ يدلُّ بالتصريح على نفي الذات، وبالتَّبَعِ على نفي جميع الصفات، فلمَّا منع الدليل دلالته على نفي الذات؛ بقي دلالته على نفي جميع الصفات.

وقال النوويُّ: (النيَّة: القصد؛ وهو عزيمة القلب) .

قال الكرمانيُّ: (ليس هو عزيمةَ القلب؛ لِما قال المتكلِّمون: القصد إلى الفعل هو ما نجد من أنفسنا حال الإيجاد، والعزم قد يتقدَّم عليه، ويَقْبَلُ الشِّدَّة والضعف؛ بخلاف القصد، ففرَّقوا بينهما من جهتين، فلا يصحُّ تفسيره به، وكلام الخطَّابيِّ أيضًا يُشْعِر بالمغايرة) ، انتهى كلام الكرمانيِّ.

وقال ابن الملقِّن:(أصل النِّيَّة القصد، تقول العرب: نواك الله بحفظه؛ أي: قَصَدك الله بحفظه؛ كذا نقله عنهم جماعةٌ من الفقهاء، واعترض ابن الصلاح فقال: هذه عبارة مُنكَرة؛ لأنَّ المقصود مخصوصٌ بالحادث، فلا يُضاف إلى الله تعالى، قال: وفي ثبوت ذلك عن العرب نظرٌ، ثمَّ ساق كلام «الصِّحاح» وكلامَ الأزهريِّ، وهذا الذي أنكره عليهم غيرُ مُنكَر، بل صحيح، وقال هو: ورد عن العرب: نواك الله بحفظه، ومعلومٌ أنَّ من أطلق القصد لم يُرِد القصد الذي هو من صفة الحادث، بل أراد الإرادة، والمراد هنا: قصد الشيء المأمور تقرُّبًا إلى الله تعالى مقترنًا بقصد، فإن قصد وتراخى عنه؛ فهو عزم، وجعل المقدسيُّ النيَّة والإرادة والقصد والعزم بمعنًى، قال: وكذا أزمعتُ على الشيء، وعمدت إليه، قال: وتُطلَق الإرادة على الله تعالى، ولا يُطلق عليه غيرها ممَّا ذكرناه.

ومحلُّها القلب عند الجمهور، لا اللِّسان، فإن اقتصر عليه؛ جاز إلَّا في الصلاة على وجهٍ شاذٍّ لأصحابنا، وإن اقتصر على اللِّسان؛ لم يجز إلَّا في الزكاة على وجهٍ شاذٍّ أيضًا).

إن قلت: النِّيَّات جمع قلَّةٍ؛ كـ (الأعمال) ، وهي للعشرة فما دونها، لكنَّ المعنى أنَّ كلَّ عملٍ إنَّما هو بنيَّة، سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا.

قلت: الفرق بالقلَّة والكثرة إنَّما هو في النَّكِرات، لا في المعارف.

فائدة: وجه إفراد النيَّة على رواية «البخاريِّ» في (الإيمان) [خ¦54] كونُها مصدرًا، وجُمِعت هنا؛ لاختلاف أنواعها ومعانيها؛ لأنَّ المصدر إذا اختلفت أنواعُه؛ جُمِع، فمتى أُريد مُطلَق النيَّة من غير نظرٍ لأنواعها؛ تعيَّن الإفراد، ومتى أُريد ذلك؛ جُمِعت وأُفرِدت أيضًا، وجُمِعت الأعمال؛ لأنَّ المفرد المعرَّف عامٌّ، والمراد: أنَّ كلَّ عملٍ على انفراده تُعتَبر فيه نيَّة مفردة، ويحتمل أنَّ العمل الواحد يحتاج إلى نيَّاتٍ إذا قصد كمال العمل؛ كمن قصد بالأكل دفع الجوع، وحفظ النفس، والتقوِّي على العبادة، وما أشبه ذلك، وبسبب تعدُّد النيَّات يتعدَّد الثواب.

(دُنْيَا) : بضمِّ الدال على المشهور، وحُكِيَ كسرها، مقصور غير مُنوَّن على المشهور، وهو الذي جاءت به الرواية، ويجوز في لغة غريبة تنوينُها.

وفي حقيقتها قولان للمتكلِّمين؛ أحدهما: ما على الأرض من الجوِّ والهواء، وأظهرهما: كلُّ المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة.

(أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا) : إنَّما ذُكِرت المرأة مع الدُّنيا مع أنَّها داخلةٌ فيها؛ لأنَّ لفظ (دنيا) نكرة، وهي لا تعمُّ في الإثبات، فلا يلزم دخول المرأة فيها، أو أنَّ الحديث ورد على سبب؛ فلهذا خصَّ ذكر المرأة دون سائر ما تُنوى به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيويَّة؛ لأجل تبيين السبب وإن كانت أعظمَ أسباب فتنة الدنيا، أو أنَّ ذكرها من باب التنبيه على زيادة التحذير منها؛ كذكر الخاصِّ بعد العامِّ، وإنَّما وقع الذمُّ عنها لطلب الدنيا؛ لكونه لم يخرج في الظاهر لطلب الدنيا، وإنَّما خرج في صورة طالب فضيلة الهجرة، فأبطن خلاف ما أظهر، وإلَّا؛ فطلبُها أمرٌ مباحٌ، لا ذمَّ فيه ولا مدح.

فائدة: الهجرة تقع على أمور؛ الأولى: إلى الحبشة، عندما آذى الكفَّارُ الصحابةَ، الهجرة الثانية: من مكَّة إلى المدينة، الهجرة الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لتعلُّم الشرائع، ثمَّ يرجعون إلى المواطن، ويعلِّمون قومهم، الهجرة الرابعة: هجرة مَن أسلم مِن مكَّة ليأتيَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ثمَّ يرجعَ إلى مكَّة، الهجرة الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه.

فائدة: فائدةُ ذكر «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» بعد الأوَّل:

اشتراطُ تعيين المنويِّ، فمن كانت عليه مقضيَّة؛ لا يكفيه أن ينويَ الصلاةَ الفائتةَ، بل لا بدَّ أن ينويَ كونها ظهرًا أو عصرًا أو غيرهما، ولولا اللفظ الثاني؛ لاقتضى الأوَّل صحَّة النيَّة بلا تعيين، أو أوهم ذلك.

ومنع الاستنابة في النِّيَّة، واستُثنِيَ من هذا نيَّةُ الوليِّ عن الصبيِّ في الحجَّ، والمسلم [عن] زوجته الذمِّيَّة عند طُهرها من الحيض على القول بذلك، وحجُّ الإنسان عن غيره، وكذا إذا وكَّل في تفرقة الزكاة، وفوَّض إليه النِّيَّة، ونوى الوكيل؛ فإنَّه يُجزِئه، كما قال الإمام، والغزاليُّ، و «الحاوي الصغير» .

أو أنَّه تأكيد، فنفى الحكم بالأوَّل، وأكَّده بالثاني؛ تنبيهًا على شرف الإخلاص، وتحذيرًا

ص 5

[من الرياء] المانع من الخلاص، انتهى.

ثمَّ لا يخفى أنَّ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» قَصَر المسند إليه على المسند، و «إِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» قَصَر المسند على المسند إليه؛ إذ المراد: إنَّما لعمل كلِّ امرئٍ ما نوى؛ إذ القصر بـ (إنَّما) لا يكون إلَّا في الجزء الأخير، وإذا قلنا: تقديم الخبر على المبتدأ يفيد الحصر؛ ففي «إِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» نوعان من الحصر.

واعلم أنَّه تقرَّر في الأصول أنَّ الجمع إذا ذُكِرَ في مقابلة الجمع يفيد التوزيع؛ فمعناه: كلُّ عملٍ إنمَّا هو بنيَّةٍ.

إن قلت: النيَّة أيضًا عملٌ؛ لأنَّها من أعمال القلوب، فإن احتاج كلُّ عملٍ إلى نيَّة؛ فالنيَّة أيضًا تحتاج إلى نيَّة، وهَلُمَّ جرًّا.

قلت: المراد بالعمل عملُ الجوارح؛ نحو: الصلاة والزكاة؛ إذ ذاك خارجٌ عنه بقرينة العقل؛ دفعًا للتسلسل.

فإن قلت: المتروك أيضًا عملٌ؛ لأنَّ الأصحَّ أنَّ الترك كفُّ النفس؛ فيحتاج إلى نيَّةٍ.

قلت: نعم؛ إذا كان المقصود منه امتثال أمر الشارع وتحصيل الثواب، أمَّا في إسقاط العقاب؛ فلا، فالتارك للزنى محتاجٌ فيه لتحصيل الثواب إلى النيَّة، وما اشتُهِر أنَّ التروك لا تحتاج إليها؛ يريدون به: في الإسقاط.

قلت: النيَّة أبلغُ من العمل؛ ولهذا المعنى تُقبَل النيَّة بغير العمل، فإذا نوى حسنةً؛ فإنَّه يُجازى عليها، ولو عَمِل حسنةً بغير نيَّة؛ لم يُجازَ بها.

فإن قيل: قد رُوِيَ عنه عليه السلام أنَّه قال: «مَن همَّ بحسنةٍ ولم يعملْها؛ كُتِبتْ له واحدةٌ، ومَن عَمِلها؛ كُتِبتْ له عَشْرًا» ، ورُوِيَ أيضًا أنَّه قال: «نيَّة المؤمن خيرٌ مِن عمله» ، فالنيَّة في الحديث الأوَّل دون العمل، وفي الثاني فوق العمل وخيرٌ منه.

قلنا: أمَّا الحديث الأوَّل؛ فلأنَّ الهامَّ بالحسنة إذا لم يعملها خلافُ العامل؛ لأنَّ الهامَّ لم يعمل حتَّى همَّ ثمَّ عَمِل، وأمَّا الثاني؛ فلأنَّ تخليدَ الله العبدَ في الجنَّة ليس بعمله، وإنَّما هو لنيَّته؛ لأنَّه لو كان بعمله؛ لكان خلودُه فيها بقدر مدَّة عمله أو أضعافه، إلَّا أنَّه جازاه بنيَّته؛ لأنَّه كان ناويًا أن يطيع الله تعالى أبدًا لو بقيَ أبدًا، فلمَّا اخترمته منيَّته دون نيَّته؛ جزاه الله عليها، وكذا الكافر؛ لأنَّه لو كان مجازًى بعمله؛ لم يستحقَّ التخليد في النار إلَّا بقدر مدَّة كفره، غير أنَّه نوى أن يُقيم على كفره أبدًا لو بقي، فجزاه على نيَّته.

وأقول: الظاهر أنَّ المراد منه أنَّ النيَّة خيٌر من عملٍ بلا نيَّة؛ إذ لو كان المرادَ خيرٌ من عملٍ مع النيَّة؛ يلزم أن يكون الشيءُ خيرًا من نفسه مع غيره، أو أنَّ المراد أنَّ الجزاء الذي هو للنيَّة خيرٌ من الجزاء الذي هو للعمل؛ لاستحالة دخول الرياء فيها، أو أنَّ النيَّة خيرٌ من جملة الخيرات الواقعة بعمله، أو أنَّ النيَّة فعلُ القلب، وفعلُ الأشرف أشرف، أو أنَّ المقصود من الطاعات تنوير القلب، وتنوير القلب بها أكثر؛ لأنَّها صفته، أو نيَّة المؤمن خيرٌ من عمل الكافر كما

ص 6

قيل، وَرَدَ ذلك حين نوى مسلمٌ بناء قنطرةٍ، فسبق كافرٌ إليه.

فإن قلت: هذا في الحسنة، فما حكمُه في السيِّئة؟

قلت: المشهور أنَّها لا يعاقَبُ عليها لمجرَّد النيَّة، واستدلُّوا عليها بقوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286] ، فإنَّ اللام للخير، فجاء فيها بـ (الكسب) الذي لا يحتاج إلى تصرُّف، بخلاف (على) ، فإنَّها لمَّا كانت للشرِّ؛ جاءت فيها بـ (الاكتساب) الذي لا بدَّ فيه من التصرُّف والمعالجة، ولكنَّ الحقَّ أنَّ السيِّئة أيضًا يُعاقَبُ عليها لمجرَّد النيَّة، لكن على النيَّة، لا على الفعل، حتَّى لو عزم أحدٌ على ترك صلاةٍ بعد عشرين سنةً؛ يأثم في الحال؛ لأنَّ العزم من أحكام الإيمان، ويُعاقَبُ على العزم لا على ترك الصلاة، فالفرق بين الحسنة والسيِّئة: أنَّ بنيَّة الحسنة يُثاب الناوي على الحسنة، وبنيَّة السيِّئة لا يُعاقَبُ عليها، بل على نيَّتِها.

فإن قلت: مَن جاء بنيَّة الحسنة؛ فقد جاء بالحسنة، ومَن جاء بالحسنة؛ فله عشرُ أمثالها، فيلزم أنَّ من جاء بنيَّة الحسنة؛ فله عشرُ أمثالها، فلا يبقى فرقٌ بين نيَّة الحسنة ونفسِ الحسنة.

قلت: لا نسلِّم أنَّ من جاء بنيَّة الحسنة؛ فقد جاء بالحسنة، بل يُثاب على [نيَّة] الحسنة، فظهر الفرق، انتهى كلامُ الكرمانيِّ.

واعلم أنَّ حديث «نيَّة المؤمن خيرٌ من عمله» رواه الشِّهابُ في «مُسنَده» من حديث أنس، والطبرانيُّ من حديث سهل بن سعد، وأبو منصور الديلميُّ من حديث أبي موسى، ورواه الطبرانيُّ أيضًا من حديث النَّوَّاس بن سمعان، وفيه تأويلات:

أحدها: أنَّ نيَّته في الاجتهاد خيرٌ من خطئه فيه.

الثاني: أنَّ النيَّة أوسع من العمل؛ لأنَّها سببه، فيتعجَّل الثواب عليه.

الثالث: أنَّ نيَّته خيرٌ من خيرات عمله.

الرابع: أنَّ النيَّة المجرَّدة عن العمل خيرٌ من العمل المجرَّد عن النيَّة.

الخامس: أنَّ كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنيَّة أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها؛ لأنَّها تكون عبادةً بمفردها، بخلاف القسمين، ولأنَّ القول والعمل يدخلُهما الفساد بالرياء ونحوه؛ بخلاف النيَّة.

السادس: أنَّ الإنسان ينوي أن يعبد الله إن عاش ألف سنةٍ وأكثر، فهو يُثابُ على ذلك وإن لم يُدرِكْه، فهو خيرٌ من عملٍ يَسَعُه ذلك الزمن.

السابع: أنَّه ورد في رجل معيَّن، وأنَّه عليه السلام قال: «مَن حفر بئرًا؛ فله من الأجر كذا» ، فهمَّ رجلٌ من المسلمين بحفرها، فسبقه يهوديٌّ إلى ذلك، فقال عليه السلام ذلك.

الثامن: أنَّ الأعمال المباحة إذا اقترنت بها نيَّة جميلةٌ؛ بأن أكل ليتقوَّى على العبادة مثلًا؛ كانت عبادةً، فإذا خلت؛ لم تكن عبادةً، وكانت النيَّة منفكَّةً عنها خيرًا منها، حكاه المحبُّ الطبريُّ في «أحكامه» ، وقال: إنَّه أحسنُ ما قيل فيه.

التاسع: أن ينويَ أداء العبادة على الوجه الأكمل، ثمَّ لا يتأتَّى له ذلك، فيأتي به على وجهٍ دون المنويِّ، فتكون النيَّة خيرًا من

ص 7

هذا العمل.

العاشر: أنَّه ضعيف، قاله ابن دِحْية، وقال ابن عَديٍّ في ترجمة عثمان بن عبد الله الشاميِّ: (له أحاديثُ موضوعةٌ، هذا من جملتها) .

فائدة: حديث عمرَ هذا رواه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم غيرُ عمرَ، فرواه سعد بن أبي وقَّاص، وعليُّ بن أبي طالب، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرَ، وأنس، وابن عبَّاس، ومعاوية، وأبو هريرة، وعبادة بن الصَّامت، وعتبة بن عبد السلميُّ، وهلال بن سُوَيد، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، وأبو ذرٍّ، وعتبة بن المنذر، وعقبة بن مسلم، لكنْ قال الحفَّاظ: إنَّه لا يصحُّ مسندًا إلَّا من حديث عمرَ رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت