فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 415

3 -4 - (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) : هو محمَّد بن مسلم الزُّهريُّ.

(عَنْ عَائِشَةَ) : قال النوويُّ: (هذا من مراسيل الصَّحابة، فإنَّها لم تُدرِك زمانَ وقوع هذه القصَّة، فتكون سمعتْها منه عليه السلام، أو من صحابيٍّ آخرَ) .

وقال الطِّيبيُّ: (الظاهر أنَّها سمعت النبيَّ عليه السلام؛ لقولها: «قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي» ، فيكون قولُها: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» حكايةَ ما تلفَّظ به صلَّى الله عليه وسلَّم؛ كقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ} [آل عمران:12] ؛ بالتاء والياء) .

وقال البلقينيُّ: إنَّه ليس بمُرسَل.

(رُؤْيَا) : بغير تنوين، وإنَّما ابتُدِئ بالرُّؤيا؛ لئلَّا يَفْجَأَه المَلَك، ويأتيَه صريح النبوَّة بغتةً، فلا تحتمله قوى البشريَّة، فبُدِئ بأوائل خِصال النبوَّة، وتباشير الكرامة؛ من صدق الرُّؤيا، وما جاء في الحديث الآخر من رؤية الضوء، وسماع الصوت، وسلام الحَجَر والشجر عليه بالنبوَّة، انتهى.

(بِغَارِ حِرَاءٍ) : إنَّما تعبَّد به دون غيره؛ لأنَّه نادى: (إليَّ) حين قال له ثَبير: اهبِطْ عنِّي، فإنَّي أخافُ أن تُقتَلَ على ظهري، فاعذُرْني، أو لأنَّه يرى الكعبة منه.

فائدة: إنَّما حُبِّبَ إليه الخلاء؛ لأنَّ معها فراغَ القلب، وهي مُعينة على الفِكْر، والبشر لا ينفكُّ عن طباعه إلَّا بالرياضة البليغة؛ فحُبِّب إليه الخلوة؛ لينقطعَ عن مخالطة البشر، فينسى المألوفاتِ من عادته، فيجد الوحيُ منه مرادًا سهلًا، لا حَزَنًا وَعْرًا، ولمثل هذا المعنى كانت مطالبة الملك له بالقراءة، وضغطته، وتجنُّبها، قيل: إنَّه من وحي الإلهام، فكان يخلو بغار حراء اعتبارًا وفكرةً؛ كاعتبار إبراهيم لمناجاة ربِّه والضَّراعة إليه؛ لِيُرِيَهُ السبيل إلى عبادته على أصحِّ أداء.

ص 11

(فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ) : الخطَّابيُّ: نظيره في الكلام التحوُّب والتأثُّم؛ أي: ألقى الحوب والإثم عن نفسه، قالوا: وليس في كلامهم (تفعَّل) لهذا المعنى غيرُ هذا.

أقول: قد ثبت في الكتب الصرفيَّة (تحرَّج) و (تخوَّن) ؛ أي: اجتنب الحَرَج والخيانة وغير ذلك، انتهى كلام الكرمانيِّ.

والحاصل من ذلك ثمانيةُ ألفاظ: تحنَّث، وتأثَّم، وتحرَّج، وتخوَّن، وتهجَّد، وتنجَّس، وتقذَّر، وتحنَّف، والله أعلم.

(وَهُوَ التَّعَبُّدُ) : جزم الطِّيبيُّ بأنَّه من إدراج الزُّهريِّ، وقال ابن الملقِّن: (يحتمل أن يكون هذا التفسير من عائشة، وأن يكون ممَّن دونها) ، انتهى.

وقال والدي رحمه الله: (والذي ظهر لي أنَّ الذي ينبغي أن يُقال: إنَّه يحتمل أن يكون هذا التفسير من عائشة، أو من عروة الراوي عنها، أو من الزهريِّ، ولا يكون ممَّن دون هؤلاء؛ وذلك لأنَّ مداره على الزهريِّ فيما أعلم، وأصحابُ الزهريِّ غالبُهم رواه عنه كذلك، وبعضُهم اختصر الحديث فلم يذكر منه إلَّا قطعةً يسيرة، والله أعلم) .

فائدة: تعبُّده يحتمل أن يكون بمقتضى العقل على قول من يقول بقاعدة الحسن والقبح العقليَّة، ويحتمل أن يكون من شرعِ نفسِه الحاصل من الرُّؤيا؛ بدليل: (ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيهِ الخَلَاءُ) ؛ حيث ذكره بلفظ (ثُمَّ) الدالِّ على التراخي، والله أعلم، قاله الكرمانيُّ.

وقال غيره: عبادته قبل البعث هل كانت بشريعة أحدٍ أم لا؟ فيه قولان لأهل العلم، وعُزِيَ الثاني إلى الجمهور، وإنَّما كان يتعبَّد بما يُلقى إليه من نور المعرفة، واختار ابن الحاجب والبيضاويُّ أنَّه كُلِّفَ التعبُّد بشرعٍ، واختلف القائلون بالثاني: هل ينتفي ذلك عنه عقلًا أم نقلًا؟ فقيل: بالأوَّل؛ لأنَّ في ذلك تنفيرًا عنه، ومن كان تابعًا؛ فبَعِيدٌ منه أن يكون متبوعًا، وهذا خطأٌ كما قال المازريُّ، والعقل لا يُحيل ذلك، وقال حُذَّاق أهل السُّنَّة بالثاني؛ لأنَّه لو فعل؛ لنُقِل؛ لأنَّه ممَّا تتوفَّر الدواعي على نقله، ولافتخر به أهلُ تلك الشريعة، والقائل بالأوَّل اختلف فيه على ثمانية أقوال: بشريعة إبراهيم، موسى، عيسى، نوح، آدم، بشريعة مَن قبله مِن غير تعيين، سابعها: جميع الشرائع شرعٌ له، ثامنها: الوقف في ذلك، وهو مذهب أبي المعالي الإمام، واختاره الآمديُّ، وقال الشيخ أبو السعود: كان يتعبَّد في حراء بالتفكُّر.

فرع: اختلف الأصوليُّون هل كُلِّف بعد النبوَّة بشرع أحدٍ من الأنبياء؟ والأكثرون على المنع، واختاره الإمام، والآمديُّ، وغيرهما، وقيل: بل كان مأمورًا بأخذ الأحكام من كتبهم، ويعبَّر عنه بأنَّ شرع مَن قبلنا شرعٌ لنا، واختاره ابن الحاجب، وللشافعيِّ في المسألة قولان؛ أصحُّهما الأوَّل، واختاره الجمهور.

(وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ) : أي: للخلوة، أو للتعبُّد.

(لِمِثْلِهَا) : الضمير يعود على (الليالي) ، وقال شيخنا: (قيل: للفعلة، أو الخلوة، أو العبادة، أو للسَّنَة، ورجَّحه البلقينيُّ، ثمَّ ظهر لي أنَّ خلوته عليه السلام كانت شهرًا، كان يتزوَّد لبعض ليالي الشهر، فإذا نفد ذلك الزاد؛ يرجع إلى أهله فيتزوَّد قدر ذلك؛ من جهة أنَّهم لم يكونوا في سَعَةٍ ... ) إلى آخر كلامه.

(حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ) : قال ابن الملقِّن: (أي: الأمر الحق؛ وهو الوحي الكريم) ، وقال الطِّيبيُّ: (أي: جاء أمر الحقِّ؛ وهو الوحي، أو رسول الحقِّ؛ وهو جبريل عليه السلام) ،

ص 12

أو المراد: المَلَك بالحقِّ؛ أي: الأمر الذي بُعِث به.

فائدة: ظاهرُه أنَّ ذلك كان يقظةً، وفي السِّيرة: «فأتاني وأنا نائم» ، ويمكن الجمع بأنَّه جاءه أوَّلًا منامًا توطئةً، وتيسيرًا عليه، ورِفْقًا به.

فائدة: الحكمةُ في الغَطِّ: شُغْلُه عن الالتفات، والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لِما يقوله له، وقيل: يُنبِّه أنَّ التخييل والوسوسة إنَّما تقع بالنفوس لا بالجسم، فوقع ذلك بجسمه؛ ليعلمَ أنَّه من الله تعالى، وقيل: أراد أن يوقِفَه على أنَّ القراءة ليست من قدرته ولو أُكرِه، وكلَّما أَمَره بالقراءة ولم يفعل؛ شدَّد عليه، فلمَّا لم يكن عنده ما يقرأ؛ كان ذلك تنبيهًا له؛ كقوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} ؟ [طه:17] ؛ لئلَّا يلحقَه ريبٌ عند انقلابها، وكذلك جبريل أراد أن يُعلِمه أنَّ ما أُلقِي إليه ليس في قدرته؛ إذ قد عَجَزَ بعد الثلاث، وهي حدُّ الاعتذار، وكرَّره ثلاثًا؛ مبالغةً في التنبيه، وقيل: إشارةً إلى أنَّك تُبتلى بثلاثِ شدائدَ، ثمَّ يأتي الفرج، وسيأتي له تتمَّةٌ آخِرَه.

وانتزع شريحٌ القاضي من هذا الحديث أنَّه لا يُضرَب الصبيُّ إلَّا ثلاثًا على القرآن، كما غطَّ جبريل محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال شيخ الإسلام البلقينيُّ: هذا مُتَعَقَّبٌ، فلا يُناسِب أن يذكر في هذا المقام أمر صبيٍّ، ولا تأديبه، ولا تأديب معلِّمٍ للمتعلِّمين، وذلك في تأديب المتعلِّم إذا غلط، والمقام المحمديُّ مُنزَّه عن مثل ذلك، ولم يذكر هذا النوويُّ، وإنَّما قال فيه: (إنَّه ينبغي للمعلِّم أن يحتاط في تنبيه المتعلِّم بإحضار قلبه) ، وهذا أيضًا فيه بعضُ جسورٍ في العبارة، واللائق أن يُقال: فيه دليلٌ على أنَّ من يريد التأكيدَ في أمرٍ وإيضاحَ البيان فيه أن يذكره ثلاث مرَّاتٍ، والله أعلم.

( {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق:1] ) : فيه دليلٌ للجمهور سَلَفًا وخَلَفًا، وهو الصواب؛ أنَّه أوَّل ما نزل من القرآن.

فائدة: ظاهره أنَّه لم يتقدَّم منه سلامٌ قبل هذه الكلمة، ويحتمل أنَّه يكون سلَّم، وحُذِفَ ذكرُه للعهد، فقد سلَّم الملائكة على إبراهيم حين دخلوا عليه، ويحتمل أنَّه لم يكن سلَّم؛ لأنَّ المقصود حينئذٍ تفخيمُ الأمر وتهويله، وقد تكون مشروعيَّة السلام تتعلَّق بالبشر لا بالملائكة وإن وقع ذلك في بعض الأحيان، والحالة التي سلَّموا فيها على إبراهيم كانوا في صورة البشر، فلا تَرِدُ هنا، ولا يَرِدُ سلامُهم على أهل الجنَّة؛ لأنَّ أمور الآخرة مغايرةٌ لأمور الدنيا غالبًا، وفي رواية أبي داود الطيالسيِّ: «أنَّ جبريل سلَّم أوَّلًا» ، ولم يُنقَل أنَّه سلَّم عند الأمر بالقراءة، والله تعالى أعلم.

فائدة: وجه المناسبة بين الخلق من العَلَق والتعليم بالقلم: أنَّ أدنى مراتب الإنسان كونه عَلَقةً، وأعلاها كونه عالمًا، فالله تعالى امتنَّ على الإنسان بنقله من أخسِّ المراتب _وهي العلقة_ إلى أعلاها، والله أعلم.

فائدة: الشهر الذي جاءه جبريل فيه بالوحي رمضان، وسِنُّه أربعون سنةً، قيل: ويوم، وقيل: عشرة أيَّام، قيل: وشهران، قيل: وسنتان، قيل: وثلاثة، قيل: وخمس، وكان ذلك يوم الاثنين نهارًا، وكان في رمضان سابع عشر، وقيل: سابع، وقيل: رابع عشر، وقيل: الشهر ربيع الأوَّل، وقيل: رجب.

(فَرَجَعَ بِهَا) : أي: صار بسبب تلك الضغطة يضطرب فؤادُه، وقال الشيخ قطب الدين: الضمير يعود إلى الآيات؛ وهي قوله: {اقْرَأْ ... } إلى قوله: {يَعْلَمْ} [العلق:1 - 5] ، وفيه نظرٌ؛ فالآيات خمس، والأفصح في نحو ذلك: (بهنَّ) ، قال تعالى: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} ... {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ} [التوبة:36] ، وهذا في غير العاقل، وعندي أنَّ الضمير يعود على القصَّة التي جرت، وتكون الباء للسببيَّة؛ التقدير: فرجع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بسبب القصَّة يرجف فؤاده، ويجوز ألَّا تكون للسببيَّة، وأن يكون المعنى: رجع مصاحِبًا للقصَّة، قاله البلقينيُّ.

(يَرْجُفُ فُؤَادُهُ) : الظاهر أنَّ خديجة رأته حقيقةً، ويجوز أنَّها لم تره، وعلمتْه بقرائن الحال، أو أخبرها عليه السلام.

والفؤاد: القلب أو غيره، أو باطنه، أو غشاؤه، وإنَّما لم يقل: قلبه؛ لأنَّ الفؤاد _على قول بعض أهل اللُّغة_ هو وعاء القلب، فإذا حصل للوعاء الرَّجفان؛ حصل لِما فيه، فيكون في ذكره من تعظيم الأمر ما ليس في غيره.

(وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ) : الجملة من قوله: (وأخبرها الخبر) معترضةٌ بين (فَقَالَ لِخَدِيْجَةَ) وبين المقول؛ وهو قوله: «لَقَدْ خَشِيْتُ عَلَى نَفْسِي» ؛ مِن جهة أنَّه لو قدَّم لها: (لقد خشيت على نفسي) ؛ لارتاعت، ولم يكن عندها الثباتُ الذي عنده صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فلهذا أخبرها الخبر أوَّلًا، فلم تجد في الخبر إلَّا خيرًا؛ فلذلك قالت ما قالت من الجواب العظيم، وأقسمت عليه بالقَسَم الكريم.

(لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي) : قال شيخُنا رحمه الله تعالى:(اختلف العلماء في هذه الخشية على اثنَي عَشَر قولًا؛ أوَّلها: الجنون، وأن يكون ما رآه من جِنس الكهانة، جاء مصرَّحًا به في عدَّة طرقٍ، وأبطله ابن العربيِّ، الثاني: الهاجس، وهو باطلٌ أيضًا؛ لأنَّه لا يستقرُّ، وهذا استقرَّ، وحصلت بينهما المراجعة، الثالث: الموت من شدَّة الرُّعب، الرابع: المرض، الخامس: دوام المرض،

ص 13

و السادس: العجز عن حمل أعباء النبوَّة، السابع: العَجَز عن النظر إلى الملك، الثامن: عدم الصبر على أذى قومه، التاسع: أن يقتلوه، العاشر: مفارقة الوطن، الحادي عشر: تكذيبهم إيَّاه، الثاني عشر: تعييرهم، وأولاها بالصواب الثالث والثامن، وما عداها؛ فهو معتَرض)، انتهى

(وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ) : اختار الِمزِّيُّ أنَّ المراد بـ (المعدوم) ههنا: المال المُعطى؛ أي: تُعطي المال لمن هو عادِمُه.

فائدة: ذكر البخاريُّ في (التفسير) خَصْلةً أُخرى؛ وهي: (وَتَصْدُقُ الحديثَ) [خ¦4953] ، وذكرها مسلمٌ هنا، وهي من أشرف خصاله، وكان يُدعى بها من صِغَره، وفي السيرة: (إنَّك لتؤدِّي الأمانة) ، ذكرها من حديث عمرو بن شُرَحبيل.

(مِنَ ابْنِ أَخِيكَ) : إنَّما لم تقل: من أخيك، أو: ابنك؛ لأنَّه لو قالت: (من أخيك) ؛ لاقتضت المساواة، أو: (ابنك) ؛ لاقتضى علوَّ ورقة؛ فلهذا تحرَّزت في كلامها بينهما، وأعطت كلَّ واحدٍ منهما مرتبته.

(مَاذَا تَرَى؟) : لم يقل له: (ماذا تقول؟) ؛ لأنَّ في «السِّيَر» و «دلائل النبوَّة» : أنَّ خديجة جاءت أوَّلًا وحدها إلى ورقة، وأخبرتْه بما أخبرها به عليه السلام أنَّه رأى وسمع، وفي تلك الرواية أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لقيَ ورقةَ وهو يطوف بالكعبة، فقال له: (يا بن أخي؛ أخبِرْني بما رأيتَ وسمعتَ) ، فأخبره عليه السلام، فقال له ورقة: (والذي نفسي بيده؛ إنَّك لَنبيُّ هذه الأُمَّة) ، والذي في «البخاريِّ» و «مسلم» يقتضي أنَّ خديجة جاءت ابتداءً بالنبيِّ عليه السلام إلى ورقةَ، وبلغ ورقة من خديجة أو مِن غيرها شيءٌ ممَّا رآه عليه السلام؛ فلهذا قال: (ماذا ترى؟) ، أو تكون خديجة ذكرت حين مجيئها به عليه السلام شيئًا من رؤياه، ثمَّ قالت لورقة: (اسمع من ابن أخيك) ، فقال له ورقة: (ماذا ترى؟) ، قاله البلقينيُّ.

(عَلَى مُوسَى) : إنَّما ذكر موسى، ولم يذكر عيسى؛ لأنَّ نزوله على موسى متَّفقٌ عليه بين اليهود والنَّصارى، بخلاف عيسى؛ فإنَّ بعض اليهود يُنكِرون نبوَّته، أو لأنَّ النصارى يتَّبعون أحكام التوراة ويرجعون إليها، مع أنَّه رُوِيَ في غير «الصحيح» بدل موسى (عيسى) ، قاله الكرمانيُّ، أمَّا رواية عيسى؛ فيحتمل أيضًا أنَّه ذكره لقرب زمنه، وأمَّا موسى؛ فيحتمل أنَّ ورقة قد تنصَّر، والنصارى لا يقولون في عيسى: إنَّه نبيٌّ يأتيه جبريل، وإنَّما يقولون: إنَّ أقنومًا حلَّ بناسوت المسيح، على الاختلاف بينهم في ذلك الحلول، فلمَّا كان هذا مذهب النصارى؛ عَدَل عن ذكر عيسى إلى موسى؛ لعلمه واعتقاده أنَّ جبريل كان ينزل على موسى، لكنَّ ورقة ثبت إيمانُه بمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم.

وقرأتُ في «تاريخ ابن كثير» قال: (إنَّما ذكر موسى، ولم يذكر عيسى؛ لأنَّ شريعة عيسى كانت متمِّمةً مكمِّلةً لشريعة موسى، ونَسَخَتْ بعضَها على الصحيح من قول العلماء؛ كما قال: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران:50] ، وقولُ ورقة مثلُ قول الجنِّ: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} [الأحقاف:30] ) ، انتهى.

وقال

ص 14

النوويُّ: (هكذا في «البخاريِّ» و «مسلم» وغيرِهما، وهو المشهور، ورويناه في غير الصحيح: «على عيسى» ، وكلاهما صحيح) .

قال البلقينيُّ: (وهذا الذي ذكره من الرواية التي ذكرها لم يذكرها أحدٌ قبله من أصحاب السِّيَر ولا مِنَ الأئمَّة الذين تكلَّموا على شرح الحديث؛ كالمازريِّ وعياض، ولا مَن بعده، وعندي أنَّ النوويَّ وَهِم في هذا، ولعلَّه رأى في رواية ابن إسحاق شيئًا يتعلَّق بعيسى عليه السلام، فتوهَّمه في قصَّة الناموس، وليس كذلك، والذي في رواية ابن إسحاق: «فقال له ورقة: أبشِرْ، فأنا أشهد أنَّك الذي بشَّر به ابن مريم ... » ، وساق بقيَّته) ، انتهى.

ورأيت في كلام والدي رحمه الله تعالى ما لفظُه: (وعن الزُّبير بن بكَّار أنَّه رواه فقال: ناموس عيسى ابن مريم) .

(فِيهَا) : الضمير راجع إلى أيَّام النبوَّة، أو الدولة، أو الدعوة، وقال البلقينيُّ: قال المازريُّ: (يعني النبوَّة) ، وفي كلام النوويِّ: (الضمير يعود على أيَّام النبوَّة ومدَّتها) ، ويُقال عليه: لم يَسبق لأيَّام النبوَّة ذكرٌ حتَّى يعودَ الضمير عليه؛ ولهذا قدَّم المازريُّ الضمير بالنبوَّة؛ لأنَّه سبق ذكرها في القصَّة وجوابها، وعندي أنَّ الضمير يعود على الحضرة النبويَّة، أو الجماعة، أو البلدة، أو القضيَّة، أو الحياة، والتقدير: ليتني في حضرتك، أو جماعتك، أو في بلدك، أو في حياة الدُّنيا، ويؤيِّد هذا الأخيرَ قولُه: (لَيتَنِي أَكُونُ حَيًّا) ، ويؤيِّد الذي قبله من (القضيَّة) : أنَّه إذا وقعت قضيَّة؛ يقول القائل: (ولنا فيها) ؛ يريد: القضيَّة.

(أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟) : في قوله هذا حبُّ الوطن، قاله السهيليُّ، وقال أبو نصر عبد الوهَّاب ابن السُّبْكيِّ: (إنَّ أحسنَ منه أن يُقال: تحرَّكت نفسُه لمِا في الإخراج من فوات ما نُدِبَ إليه من إيمانهم وهدايتهم، فإنَّ ذلك مع التكذيب والإيذاء مترقَّبٌ، ومع الإخراج منقطع، وذلك هو الذي لا شيءَ عند الأنبياء عليهم السلام أعظمَ منه؛ لأنَّه امتثال أمر الله تعالى، وأمَّا مفارقة الوطن؛ فهو أمرٌ جِبلِّيٌّ، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أجلُّ وأعلى مقامًا من الوقوف عنده في هذا الموطن العظيم) ، انتهى.

(ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ) : لعلَّ الحكمة في إبطائه ذهابُ ما حصل له من الرَّوع والتشوُّف إلى عَوده، وفي السِّيرة: (أنَّ ورقة كان يمرُّ ببلال وهو يُعَذَّب لمَّا أسلم، وقال: لَئن قتلتموه؛ لأتَّخذنَّه حنانًا) ، وفي هذا مخالفةٌ لقولها: (فلم ينشب ورقةُ أن توفِّي) ؛ فتأمَّله، قاله ابن الملقِّن.

وقال شيخُنا في «فتحه» : (وقع في «سيرة ابن إسحاق» : أنَّ ورقة بن نوفل كان يمرُّ ببلال وهو يُعذَّب، وذلك يقتضي أنَّه تأخَّر إلى زمن الدعوة، وإلى أن دخل بعضُ الناس في الإسلام، والجمع: أن َّقوله: «وفتر الوحي» الواوُ ليست للترتيب، وليس المراد بفترة الوحي عدمَ مجيء جبريل إليه، بل تأخُّر نزول القرآن فقط) ، انتهى.

ورأيت في «تاريخ ابن كثير» قال بعد أن أورد كلام ابن إسحاق: (وهذا مُشكِلٌ، وإنَّما الذي كان يمرُّ به في هذه الأيَّام _والله أعلم_ أبو بكرٍ ... ) إلى آخِر كلامه.

فائدة: قال البلقينيُّ في قوله: (ثمَّ لم ينشَبْ ورقةُ أن تُوفِّي وفَتَر الوحي) : الظاهر أنَّ هذا كلَّه من قول عائشة، ولكنْ للبخاريِّ في (التعبير) [خ¦6982] ما يقتضي أنَّ ذلك ليس من قول عائشة، ولفظُه في (التعبير) : (ثمَّ لم ينشب ورقةُ أن تُوفِّي، وفتر الوحي فترةً حتَّى حَزِن النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم _فيما بلغنا_ حُزنًا غدا منه ... ) ؛ الحديث، فقوله: (فيما بلغنا) الظاهر أنَّه ليس من قول عائشة، ثمَّ يحتمل أن يكون من قول عُروة، ويَحتمل أن يكون من قول ابن شهاب، وجعل عياضٌ في «الشِّفا» ذلك من قول مَعْمَر، ولا يتعيَّن أن يكون القائلَ لذلك مَعْمَرٌ.

(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) : قال الكرمانيُّ: ومثل هذا

ص 15

_أي: ما لم يُذْكر من أوَّل الإسناد واحد أو أكثر_ يُسمَّى تعليقًا، ولا يذكره البخاريُّ إلَّا إذا كان مسندًا عنده؛ إمَّا بالإسناد المتقدِّم؛ كأنَّه قال: (حدَّثنا يحيى ابن بُكَيْر: حدَّثنا اللَّيث عن عقيل أنَّه قال: قال ابن شهاب) ، أو بإسناد آخر، وقد ترك الإسناد ههنا لغرض من الأغراض المتعلِّقة بالتعليق؛ ككون الحديث معروفًا من جهة الثقات، أو لكونه مذكورًا في موضع آخر أو نحوه، انتهى

وقال والدي رحمه الله تعالى: هو معطوف على السند المذكور قبله.

(زَمِّلُونِي) : في «مسلم» : «دثِّروني» [ (257) (161) ] ، قال الزركشيُّ: وهو أنسب لقوله: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدَّثِّر:1] .

(فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ) ، هما بمعنًى، فأُكِّد أحدهما بالآخر، وإنَّما عبَّرت بقولها: (فحمي) ؛ تتميمًا منها للتمثيل الذي مثَّلت به أوَّلًا، وهو كونها جعلت الرؤيا كمثل فلق الصبح، فإنَّ الضوء لا يشتدُّ إلَّا مع قوَّة الحرِّ، وألحقت ذلك بقولها: (وتتابع) ؛ لئلَّا يقع التمثيل بالشمس من كلِّ الجهات؛ لأنَّ الشمس يلحقها الأفولُ والكسوفُ ونحوهما، وشمس الشريعة باقية على حالها لا يلحقها نقص.

(تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) : الضمير يعود على يحيى ابن بكير، والضمير في (هلال) يعود على عقيل؛ ولذلك أتى بالواو، ولو قال: تابع عبد الله بن يوسف وأبو صالح وهلال بن رَدَّاد؛ صار الضمير في الجميع يعود على يحيى ابن بكير، وليس كذلك كما تقدَّم.

(وأَبُو صَالِحٍ) : هو عبد الغفَّار بن داود، أو عبد الله بن صالح المصريُّ، وهذا هو الأظهر.

(يُونُسُ) : هو ابن يزيد الأيليُّ، لا يونس بن محمَّد البغداديُّ.

فائدة: قال ابن المعتمر: إنَّ جبريل مسح صدره وقال: اللَّهُمَّ اشرح صدره، وارفع ذكره، وضعْ عنه وزره، ويصحِّحه قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح:1] ، كأنَّه يشير إلى ذلك الدعاء الذي كان من جبريل، وذكر ابن إسحاقَ أنَّه أتاه بنمط من ديباج فيه كتابٌ، وهو إشارة إلى أنَّ هذا الكتاب به يفتح على أمَّته مُلك الأعاجم، ويسلبونهم الديباج والحرير الذي كان زينتَهم وزيَّهم، وبه ينال ملك الآخرة، ولباس أهل الجنَّة فيها الحرير والديباج، وفي كلام ابن عقبة وسليمان بن المعتمر: (فأتاه بدرنوكٍ من ديباج منسوج بالدُّرِّ والياقوت) ، غير أنَّ ابن عقبة قال: (ببساط) بدل: (درنوك) ، وقال بعض المفسِّرين في قوله تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:1، 2] : إنَّه إشارة إلى ذلك الكتاب الذي جاءه به جبريل، وقال له: اقرأ.

قوله: {بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق:1] ؛ أي: أنَّك لا تقرؤه بحولك، ولكنِ اقرأه مفتتحًا باسم ربِّك مستعينًا به، فهو يعلِّمك كما خلقك، وكما نزع عنك علق الدم ومغمز الشيطان بعدما خلقه فيك كما خلقه في كلِّ إنسان، فالآيتان المتقدِّمتان لمحمَّد عليه السلام، والأخيرتان لأمَّته، وهما قوله: {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:4، 5] ؛ لأنَّها كانت أمَّةً أمِّيَّةً

ص 16

لا تكتب فصاروا أهل كتاب وأصحاب علم، فتعلَّموا القرآن بالقلم، وتعلَّم نبيُّهم صلَّى الله عليه وسلَّم تلقينًا من جبريل عليه السلام، نزَّله على قلبه؛ ليكون من المرسلين.

تتمَّة: (كُِرْسِيٍّ) : الكاف مضمومة ومكسورة.

(فَرُعِبْتُ) : بفتح الراء، وضمِّ العين قيَّده الأصيليُّ، وغيره: بضمِّ الراء، وكسر العين على ما لم يُسَمَّ فاعله، وهما صحيحان، قاله عياض.

( {وَالرُّجْزَ} [المدَّثِّر:5] ) : قال الكرمانيُّ: رُوِي عن عاصم ضمُّ الراء، أقول: هي عن حفص عنه، فقيل: لغتان بمعنًى، أبو عبيدة: الضمُّ أفشى اللغتين وأكثرهما، مجاهد: بالضمِّ؛ اسم صنم، ويُعزى للحسن البصريِّ، وبالكسر؛ اسم للعذاب، وعلى تقدير كونه للعذاب فلابدَّ من حذف مضاف؛ أي: اهجر أسباب العذاب المؤدِّية إليه، أو لإقامة المسبَّب مقام سببه، وهو مجاز شائع، والرجز: الشرك، أو الشيطان، أو الظلم، أو العذاب، أو سببه، أو نفسَك فخالف، أو حبَّ الدنيا؛ فإنَّه رأس كلِّ خطيئة.

( {فَطَهِّرْ} [المدَّثِّر:4] ) : أي: بالماء، أو جدْها من الحلال، أو شَمِّر وقَصِّر، أو لا تلبسها على عذر ولا جنابة، أو طهِّر قلبك عن المعاصي، أو فرِّغه عن غير الله تعالى، أو أخلاقَك فحسِّنها، وأصلح عملك.

خاتمة: وقال ابن الملقِّن: حكمة الغطِّ ثلاثًا من غير زيادة ولا نقصان وجهان:

أحدهما: أنَّ البشريَّة فيها عوالمُ مختلفة؛ منها: العقل وموافقه الملك، ومنها: النفس والطبع والشيطان، وموافقتهم الهوى والغفلة والعادة المذمومة، وهي أشدُّها؛ لقول الأمم الماضية: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف:22] ، وقد قال الأطبَّاء: إنَّ العادة طبع خامس، فكانت تلك الغطَّاتُ مُذهِبةً لتلك الخصال الثلاثة وموافقيها، وبقي العقل والملك الذين هما مائلان للحقِّ والنور وإن كان عليه السلام مطهَّرًا من الشيطان، ومثل ذلك قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدَّثِّر:4] ، وثيابه لا شكَّ في طهارتها على كلِّ تأويل، لكن هذا مقتضى الحكمة في تكليف البشريَّة وترقِّيها.

الثاني: أنَّ الإيمان على ثلاث مراتب: إيمان وإسلام وإحسان، فكانت تلك الغطَّاتُ مبالغةً في التحلِّي بكمالها؛ لأنَّ إيمانهم أقوى من إيمان أتباعهم؛ لعلوِّ مقامهم، انتهى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت