فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 415

16 - (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) : عبد الله بن زيد.

(أَنْ يَعُودَ) : إن قلت: المشهور: (عاد إليه) معدًّى بكلمة الانتهاء لا بآلة الظرف؟

قلت: قد ضمَّن فيه معنى الاستقرار، كأنَّه قال: يعود مستقرًّا فيه، قاله الكرمانيُّ، وقال غيره: معنى (يعود) : يصير، والعَود والرجوع قد استُعمِلا في معنى الصيرورة،

ص 35

قال تعالى: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا} [الأعراف:89] .

فائدة: الحلاوة إنَّما هي في المطعومات، والإيمان ليس مطعومًا، فتصرَّف فيه بأن شبَّه الإيمان بالعسل ونحوه، ووجه الشبه الذي بينهما هو الالتذاذ وميل القلب إليه، فذكر المشبَّه، وأُضيف إليه ما هو من خواصِّ المشبَّه به ولوازمه؛ وهو الحلاوة على سبيل التخييل له، ومثله يُسمَّى بالاستعارة بالكناية.

فائدة: قال القاضي البيضاويُّ: المراد بالحبِّ ههنا: الحبُّ العقليُّ الذي هو إيثار ما يقتضي العقلُ رجحانَه، ويستدعي اختياره وإن كان على خلاف الهوى، ألَّا ترى أنَّ المريض يَعاف الدواء، وينفر عنه طبعه، ويميل إليه باختياره، ويهوى تناوله بمقتضى عقله لمَّا علم أنَّ صلاحه منه، فالمرء لا يؤمن إلَّا إذا تيقَّن أنَّ الشارع لا يأمر ولا ينهى إلَّا بما فيه صلاحٌ عاجليٌّ أو خلاصٌ آجليٌّ، والعقل يقتضي ترجيح جانبه، وكماله: بأن تتمرَّن نفسه بحيث يصير هواه تبعًا لعقله، ويلتذُّ به التذاذًا عقليًّا؛ إذِ اللذاذة إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك، وليست بين هذه اللذَّة واللذَّات الحسِّيَّة نسبةٌ يعتدُّ بها، والشارع عبَّر عن هذه الحالة بالحلاوة؛ لأنَّها أظهر اللذَّات المحسوسة.

وإنَّما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانًا لكمال الإيمان المحصِّل لتلك اللذَّة؛ لأنَّه لا يتمُّ إيمان امرئ حتَّى يتمكَّن في نفسه أنَّ المنعم بالذات هو الله تعالى، ولا مانح ولا مانع سواه، وما عداه وسائطُ ليس لها في حدِّ ذاتها إضرارٌ ولا إنفاع، وأنَّ الرسول هو العطوف الساعي في إصلاح شأنه، وذلك يقتضي أن يتوجَّه بكلِّيَّته نحوه، ولا يحبُّ ما يحبُّه إلَّا لكونه وسطًا بينه وبينه، وأن يتيقَّن أنَّ جملة ما أوعد ووعد حقٌّ تيقُّنًا يخيِّل إليه الموعود كالواقع، والاشتغال بما يؤول إلى الشيء ملابسته به، فيحسب مجالسَ الذكر رياضَ الجنَّة، وأكلَ مال اليتيم أكلَ النار، والعَودَ إلى الكفر إلقاءً في النار.

قال: وإنَّما تثنية الضمير ههنا فللإيماء على أنَّ المعتبر هو المجموع المركَّب من المحبَّتين لا كلُّ واحدة منهما، فإنَّها وحدها ضائعةٌ لاغية، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب؛ إشعارًا بأنَّ كلَّ واحد من العصيانين مستقلٌّ باستلزام الغواية؛ إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كلٍّ من المعطوفين في الحكم، وقال الأصوليُّون: أمر بالإفراد؛ لأنَّه أشدُّ تعظيمًا، والمقام يقتضي ذلك، انتهى، أو لأنَّ الجامع هو الرسول فيجوز له ما لا يجوز لغيره، أو لأنَّ الطاعة والعصيان حقُّ الله تعالى؛ نظرًا إلى الأصل والحقيقة، ومن حقِّه في ذلك أن يُفرَد بالذكر، ثمَّ يُذكَر الرسول؛ بخلاف

ص 36

المحبَّة، أو أنَّ المراد في الخُطَب: الإيضاح لا الرموز والإشارات، وأمَّا هنا؛ فالمراد: الإيجاز في اللفظ؛ للحفظ، أو إنَّما أنكر الجمع؛ تعظيمًا لله تعالى، أو إنَّما أنكر وقوعه على: (ومن يعصهما) ، لكنَّ قوله: {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب:36] يردُّ ذلك، أو أنَّ الجمع يوهم التسوية، أو أنَّ كلامَه صلَّى الله عليه وسلَّم جملةٌ واحدة فيُكرَه لغيره إقامة المُضمَر مقام المُظهَر؛ بخلاف كلام الخطيب، فإنَّه جملتان، أو أنَّ المتكلِّم لا يتوجَّه تحت خطاب نفسه إذا وجَّهه لغيره، والله أعلم.

فائدة: الخطيب هو: ثابت بن قيس بن شمَّاس، وحديثه في «مسلم» ، و «أبي داود» ، و «النسائيِّ» .

فائدة: رجال هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، أخرج لهم الشيخان وباقي الستَّة.

خاتمة: قال بعضهم: المحبَّة مواطأة القلب على ما يرضي الربَّ سبحانه، فيحبُّ ما أحبَّ، ويكره ما يكره، ونظم هذا المعنى محمودٌ الورَّاق فقال: [من الكامل]

~تعصِي الإلهَ وأنتَ تُظهرُ حبَّهُ هذا محالٌ في القياسِ بديعُ

~لو كانَ حبُّكَ صادقًا لأَطعتَهُ إنَّ المحبَّ لمنْ يحبُّ مُطيعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت