17 - (ابْنِ جَبْرٍ) : أهل المدينة يقولون: (جابر) ، والعراقيُّون يقولون: (جبر) ، قال ابن منجويه: لا يصحُّ عندنا جبر بن عبد الله، إنَّما هو جابر، وقيل: هما اثنان.
فائدة: إن قلت: الأنصار جمع قلَّة، فلا يكون ما فوق العشرة، ولكنَّهم كانوا أضعاف الآلاف.
قلت: القلَّة والكثرة إنَّما اعتُبِرتا في نكرات الجموع، أمَّا في المعارف؛ فلا فرق بينهما.
إن قلت: المطابقة تقتضي أن يُقابَلَ الإيمان بالكفر، بأن يُقال: آية الكفر كذا، فلمَ عدل عنه؟
قلت: البحث في الذين ظاهرُهم الإيمان، وهذا لبيان ما به يتميَّز المؤمن الظاهريُّ عن المؤمن الحقيقيِّ، فلو قيل: آية الكفر بغضهم؛ لا يصحُّ؛ إذ هو ليس بكافر ظاهرًا.
إن قلت: هل يقتضي ظاهر الحديث أنَّ من لم يحبَّهم لا يكون مؤمنًا؟
قلت: لا يقتضي؛ إذ لا يلزم من عدم العلامة عدم ما به العلامة، أو المراد: كمال الإيمان.
إن قلت: هل يلزم منه أنَّ من أبغضهم يكون منافقًا وإن كان مصدِّقًا بقلبه؟
قلت: المقصود بغضهم من جهة أنَّهم أنصارٌ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا يمكن اجتماعه مع التصديق لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
إن قلت: هل يُستفاد الحصرُ من هذا التركيب؟
قلت: أكثر أهل المعاني على أنَّ المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين؛ ربَّما يفيد الحصر حسب ما يقتضيه المقام.
إن قلت: فإذا كان للحصر؛ فهل يُحصَر المبتدأ على الخبر أو العكس؟
قلت: كلاهما؛ نحو: الضاحك الكاتب، فإنَّ معناه: حصر الضاحك على الكاتب والعكس.
إن قلت: هل هو حصرٌ حقيقيٌّ أو ادِّعائيٌّ؟
قلت:
ص 37
الظاهر أنَّه ادِّعائيٌّ؛ تعظيمًا لحبِّ الأنصار؛ كأنَّ الدعوى أنَّه لا علامة للإيمان إلَّا حبَّهم، وليس حبُّهم إلَّا علامته، ويؤيِّده ما في «مسلم» : «آية المؤمن حبُّ الأنصار» ؛ بتقديم الآية، و «حبُّ الأنصار آية الإيمان» ؛ بتقديم الحبِّ.
إن قلت: إذا كان حبُّ الأنصار آية الإيمان؛ فبغضهم آية عدمه؛ لأنَّ حكم نقيض الشيء يقتضي حكم الشيء، فما الفائدة في ذكر: «وآية النفاق بغض الأنصار» ؟
قلت: هذا التقرير ممنوع، ولئن سلَّمنا؛ فالفائدة في ذكره التصريح به، والتأكيد عليه، والمقام يقتضي ذلك؛ لأنَّ المقصود من الحديث الحثُّ على حبِّ الأنصار وبيان فضلهم؛ لما كان [منهم] من إعزاز الدين، وبذل الأموال والأنفس، والإيثار على أنفسهم، والإيواء والنَّصر، وغير ذلك.
خاتمة: قال أبو بكر رضي الله عنه من قصَّة طويلة في بني النضير: جزاكم الله يا معشر الأنصار خيرًا، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلَّا كما قال الغنويُّ: [من الطَّويل]
~جَزَى اللهُ عَنَّا جعْفَرًَا حِينَ أَزْلَقَتْ بِنَا نَعْلُنَا فِي الوَاطِئِينَ فَزَلَّتِ
~ أَبَوْا أَنْ يَمُلُّونَا وَلَوْ أَنَّ أُمَّنَا تُلَاقِي الذِي يَلْقَوْنَ مِنَّا لَمَلَّتِ