الأمن الخارجي
مدخل:
إن العلائق بين البشر الأصل فيها السلم والأمن، يكاد يتفق في ذلك المجتمع الدولي كله، ولأجل هذا أنشئت المنظمات والهيئات والمجالس الكفيلة بتحقيقه، ففي أعقاب الحرب الكونية الأولى، شكلت عصبة الأمم لحفظ السلام العالمي، لكنها فشلت في مهمتها، وليس أدل على ذلك من اندلاع الحرب الكونية الثانية، التي نشأت على أنقاضها وأشلاء موتاها هيئة الأمم المتحدة في عام 1945، بديلًا للعصبة، بسبب القرارات الجائرة التي تصدر عن مجلس الأمن المتضمن ما يعرف بحق (الفيتو) ، وهو المبرر لأطماع الأقوياء وطغيانهم.
وإننا لنعيش اليوم عالمًا ماديًا بحتًا، الغاية فيه تبرر الوسيلة، بيد أن هذا العالم قد أضحى متصلًا اتصالًا وثيقًا، ولكل دولة من دوله مصلحة في دولة أخرى، ولا ضير في مفهوم المصالح هذا، من وجهة النظر الإسلامية، بل أن الإسلام ليحض على التواصل والتعارف بين الدول والشعوب وكلاهما من محفزات السلام والأمن الدوليين: {يَا أيهَا الناسُ إنَّا خلقناكُم مِن ذكر وأنثَى وجعلناكُم شعوبًا وقبائلَ لتعارفُوا إنَّ أكرمكُم عندَ اللهِ أتقاكُم} (100) .
وبرغم اعتراف كثير من الدول الكبرى بمبدأ التعايش السلمي إلا أنها، سرًا وعلانية، تخرق هذا المبدأ، باستلابها ولاء الشعوب، وبضغوطها الإعلامية والسياسية والاقتصادية على أنظمتها.
ونحن نعايش اليوم تبلور نظام دولي جديد، إذ برزت على الساحة الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى وحيدة، تناصرها حليفات من أوروبا، كما تحالفها الصهيونية العالمية، وكل منهم «طلب صيد» فالولايات المتحدة تعتقد أن سقوط القوة السوفيتية المنافسة يعني خلو الساحة لها، ويبدو ذلك واضحًا في نزقها عند التعامل مع الآخرين، وسعيها للهيمنة على العالم، وهو ما سماه بعض كتابها «نهاية التاريخ» ، على اعتبار أن ما بلغته القوة الأمريكية يمثل الذروة في تاريخ النشاط البشري، ولكن: هيهات.
فما زال الشك قائما في ثبات النظام العالمي الجديد على حالة القطبية الواحدة بزعامة أمريكا، ويذهب الكثيرون إلى أن هناك قوى دولية معاصرة مثل (اليابان والصين وأوروبا الموحدة وألمانيا) ، يسعى كل منها ليكون قطبًا ثانيًا أو ثالثًا. ولقد تأتي هذا المذهب من أن النظام الأحادي الذي تسعى أمريكا لفرضه، بعيد كل البعد عن الاستقرار والأمن والسلام، وانه لا يحقق الشرعية وسيادة القانون وفق الأعراف الدولية وميثاق هيئة الأمم المتحدة. وسواء كان النظام الدولي الجديد أحادي القطب أو متعدد الأقطاب، فهل ستتغير طريقة التفكير إزاء مفاهيم الأمم المتحدة التي تعارف عليها المجتمع الدولي؟. وما هي الاعتبارات التي تشكل ضغطًا على القوى الفاعلة صاحبة القوة والمصلحة لاتخاذ مثل هذا الموقف؟ والى أن يحدث ذلك كله، فإن أمرًا واقعًا يفرض نفسه، ولا محيد عن الاعتراف به، ومفاده: أن القوة العظمى الوحيدة، اليوم، هي الولايات المتحدة الأمريكية، التي سعت إلى بسط سلطانها، واستطاعت ـ حتى الآن ـ تحقيق أهداف شتى، مثل:
* إخضاع الكثير من الدول، تارة بالترغيب، وبالترهيب تارة أخرى.
* استصدار قرارات تؤيد سلوكها، من المنظمة الدولية ومن دول أخرى، بيسر فاضح، ساق أحد أعضاء الكونغرس الأمريكي ليقول: إنه يستغرب كيف أن الحكومة الأمريكية تستطيع أن تستصدر قرارات من الدول الأجنبية أسهل مما تستطيعه مع الكونغرس!!!.
* استخدام قوة الإعلام الدولي لصالح مخططاتها ورؤاها.
* استخدام قوة المال العالمي لخدمة سياساتها ومصالحها.
* استخدام المنظمات غير الحكومية ( ngos) ، والمانحين: ( nours do) ـ والشركات المتعددة الجنسية، لتحقيق مآربها.
* الدفاع الجائر عن المخططات الإسرائيلية لتبادل المنافع معها، وهو موقف له جذوره التاريخية ونتائجه الظاهرة للعيان.
وكل هذا مناقض لميثاق الأمم المتحدة، كما انه خرق واضح لمبادئه. وعندما نقرأ ديباجة الميثاق وفصل الأول، يتضح لنا ذلك جليا.