قَالَ اللهُ تَعَالَى: { فَلَا تَهِنُوْا وَتَدْعُوْا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ } (1) [ مُحَمَّدٌ: 35 ] .
(1) قَالَ الشَّيْخُ طَارِقُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ حَفِظَهُ اللهُ:"السِّلْمُ الْجَائِزُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:"
الضَّرْبُ الْأًوَّلُ: هُدْنَةٌ ( وَتُسَمَّى: صُلْحٌ وَمُوَادَعَةٌ وَمُعَاهَدَةٌ وَمُسَالَمَةٌ ) ، وَهِيَ مُصَالَحَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً ، كَصُلْحِ الْحُدَيْبِيَّةِ.
وَهِيَ إِمَّا أَنْ تَكُوْنَ بِطَلَبٍ مِنَ الْأَعْدَاءِ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الِاسْتِجَابَةُ لَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَزِيْدَ أَجَلُهَا عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَإِمَّا أَنْ تَكُوْنَ بِطَلَبٍ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ فَظَاهِرُ الْآَيَةِ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ ، لَكِنْ تَقَرَّرَ بَعْدَ الْجَمْعِ بَيْنَ النُّصُوْصِ الْوَارِدَةِ: جَوَازُ طَلَبِ الصُّلْحِ عِنْدَ ظُهُوْرِ الْمَصْلَحَةِ فِيْهِ وَتَرْجِيْحِهَا .
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ السِّلْمَ بِمَعْنَى مُصَالَحَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ أَبَدًا حَرَامٌ وَبَاطِلٌ ، وَأَقْبَحُ مِنْهُ أَنْ يَكُوْنَ ذَلِكَ عَلَى حِسَابِ حَقٍّ شَرْعِيٍّ كَمُسَامَحَتِهِمْ بَأَرْضٍ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِيْنَ ، وَهُوَ مَا نَرَاهُ مِنْ بَعْضِ فَجَرَةِ السَّلَاطِيْنِ فِيْ مُصَالَحَةِ الْيَهُوْدِ بِنَاءً عَلَى الِاعْتِرَافِ بِكِيَانِهِمُ الْغَاصِبِ فِيْ فِلَسْطِيْنَ الْمُبَارَكَةِ ، حَتَّى أَنَّهُمْ يَسْتَبِيْحُوْنَ حُرُمَاتِ الْمُسْلِمِيْنَ حِفَاظًا عَلَى وُدِّ هَؤُلَاءِ الْمَلْعُوْنِيْنَ ! فَتَبَّتْ يَدَا مَنْ بَادَرَ إِلَى هَذَا الْظُّلْمِ الْعَظِيْمِ وَعَمِلَ بِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَا عُذْرَ لِحَاشِيَةِ هَؤُلَاءِ السَّلَاطِيْنِ فِيْ مُوَافَقَتِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ ، إِْذ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوْقٍ فِيْ مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ .
الضَّرْبُ الثَّانِيْ: اسْتِئْمَانٌ ، وَهُوَ إِعْطَاءُ مُسْلِمٍ الْأَمَانَ لِفَرْدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَدْ طَلَبَهُ مِنْهُ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [ التَّوْبَة: 6 } ."اه"