أيها الأخوة, لكن هذه المرأة المسنَّة الكبيرة، التي عندها خمسة صبية، كانت تعلم أنها لا تُرضي النبي بشكلها، لكنها ارتقت إلى مستوىً رفيع تطمح إليه، بحكمتها ولذكائها أفسحت للعروس الشابَّة, -السيدة عائشة- المكان الأول في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وحرصت أشد الحرص أن تتحرَّى مرضاة العروس الجديدة، وأن تقوم على خدمتها، وأن تسهر على راحتها.
أرأيت إلى هذا الوفاء؟ هذه حكمة، هي نالت مبتغاها من زواجها من النبي؛ أصبحت أم المؤمنين، أصبحت زوجة رسولٍ كريم، هذه الشابَّة التي تزوَّجها تحتاج إلى رعاية، تحتاج إلى عناية، اعتنت بها، وخدمتها، وأرشدتها، وعلَّمتها، وبيَّنت لها كي تُرضي رسول الله، وكي تُرضي عائشة رسول الله، وكي يرضى رسول الله عن سودة بهذه الخدمة.
ثم خصَّ عليه الصلاة والسلام كل زوجةٍ ببيتٍ خاص، ولمَّا وفدت زوجاتٌ أُخريات على بيوتات النبي فيهن حفصة، وزينب، وأم سلمة، وسواهن، لم تتردَّد أم المؤمنين سودة في إيثار عائشة بإخلاصها، ومودتها، وإن لم تظهر ضيقًا بتلك الزوجات.
تجد امرأة متقدِّمة في السن، لم تنجب أولادًا، زوجها محروم من الأولاد، فأراد زوجها أن يتزوج امرأةً تنجب له أولادًا، دون أن يضحي بها، دون أن يتخلَى عنها، هي في مكانتها الرفيعة العليَّة، هناك زوجاتٌ لا يرضَين بذلك، ويبتعدن عن أزواجهن، ويعشن وحدهن، هل هذا هو العقل؟ هذا موقف.
فقد دنا منها النبي عليه الصلاة والسلام، فبكت، قالت:
(( يا رسول الله! هل غمصت عليَّ في الإسلام؟ -أي هل أخطأت في الإسلام؟ - قال: اللهمَّ لا، قالت: يا رسول الله! يومي لعائشة في رضاك، -أي أنا أريد أن أبقى زوجةً لك، أريد أن أحظى هذا الشرف العظيم, ولا مأرب لي في الرجال, أريد أن أبقى معك لأنظر إلى وجهك- فو الله ما بي ما تريد النساء, ولكني أحب أن يبعثني الله في نسائك يوم القيامة ) )