والفرق بين هذا القول وسابقه , أن هذا القول أجاز بذل السَّبَق في سائر المباحات سواءً كان الباذل للسَّبَق أحد المتسابقين أو أجنبي عنهم , أما القول السابق فقد خصص الجواز بما إذا كان الباذل أجنبي.
ولم يُذكر لهذا القول دليل , ويمكن أن يستدل له بالدليل التالي:
إذا كانت الأعمال والألعاب المباحة جائزة من حيث الأصل , فيجوز فعلها ولعبها والمسابقة عليها , فإن هذا يقتضي جواز بذل السَّبَق فيها خلا من المقامرة.
الترجيح:
لعل من المناسب قبل الترجيح في هذه المسألة أن نشير إلى أمر مهم هو: أنه لا يلزم من كل ما يُطلق عليه مسابقة في العصر الحديث أن يكون داخلًا ضمن عقد السباق , فبعض المسابقات تُكيف ضمن عقد الجعالة أو الإجارة أو غيرهما من العقود الأخرى وذلك حسب انطباق وصف العقد عليها.
أما مسألة البحث التي نحن بصدد الترجيح فيها فهي: إذا كان العقد عقد سباق وكان محله عملًا مباحًا ليس من الأنواع التي ورد بها النص أو معناها فهل يجوز فيه بذل السَّبَق أم لا؟.
بعد تأمل الأقوال في هذه المسألة والأدلة عليها يظهر - والله أعلم - قول جمهور أهل العلم بقصر جواز بذل السَّبَق على ما ورد به النص أو كان في معناها , وذلك لقوة ما استدلوا به وعدم وجود ما يقابلها للأقوال الأخرى.
ومما يؤيد هذا الترجيح ما يلي:
أولًا: أن الإسلام أمر بحفظ الأوقات واستغلالها فيما ينفع الإنسان في دينه ودنياه , ورخَّص في صرف جزء منها في وسائل الترفيه المباحة فأجاز لعبها والمسابقة فيها , وهذا لا يقتضي أن تُهدر بها الأوقات وتوجه إلى إتقانها الجهود والطاقات , وتبذل فيها الأموال , إذ أن ذلك مما يسبب كثرة الاشتغال بها , وتقديمها على غيرها مما هو أهم منها , واتخاذها عادة وصنعة يتكسب عن طريقها,