والحكم بالمنع عند الجمهور يصرف النظر عن جهة بذل السَّبَق سواءً كان باذله أحد المتسابقين أو كان أجنبي عنهم [1] 0).
ويستدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بالأدلة التالية:
الدليل الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه (لا سبق إلا في نصل أو حافر أو خف) [2] 1). ومن الواضح وجه الاستدلال من الحديث عند القائلين بقصر السَّبَق على هذه الأنواع , أما القائلون بإلحاق ما كان في معناها في حكمها بجواز بذل السَّبَق فوجه الاستدلال عندهم: أن المباحات تتخذ للتسلية وراحة النفوس فليست في معنى ما ورد به النص فلا تأخذ حكمها في إلحاقها بما ورد به النص من جواز بذل السَّبَق في المسابقة عليها [3] 2).
الدليل الثاني: أن الأصل في السَّبَق عدم جواز بذله لما فيه من تعليق التمليك على الخطر , وإنما أجاز الشارع بذله فيما تدعور إليه الحاجة من آلات الحرب ونحوها المأمور بتعلمها وأحكامها , أما المباحات فإنها تتخذ للتسلية فلم يجز فيها بذل السَّبَق [4] .
الدليل الثالث:"أن في تجويز أكل المال في المباحات ذريعة إلى اشتغال النفوس بها واتخاذها مكسبًا , فأباح الشارع العمل في نفسه لأنه إعانة للنفس وراحة لها , وحرَّم أكل المال به لئلا يتخذ عادة وصناعة" [5] .
القول الثاني: جواز بذل السَّبَق في سائر المباحات إذا كان من أجنبي.
وهو قول لبعض المالكية [6] .
(1) انظر المراجع السابقة.
(2) سبق تخريجه صـ 8.
(3) انظر: الفتاوى المصرية صـ 532.
(4) انظر: تبيين الحقائق 6/ 227 , وحاشية رد المحتار 6/ 402 - 403.
(5) الفروسية صـ 46 بتصرف.
(6) 3/ 393 , وانظر: حاشية العدوي على مختصر خليل مطبوعة مع شرح الخرشي 3/ 156 , وقد نقل الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير للدردير كلام الزناتي ولكن بحكم الكراهة والحرمة 2/ 210 , ولعل ما ذكره الحطاب أقرب لتقدمه وقربه من المنقول عنه وهو الزناتي.
ولم أجد أحدًا - حسب ما اطلعت عليه - ذكر هذا القول في المذهب المالكي قبل الحطاب (ت 954 هـ)
تنبيه: نسب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم مضمون هذا القول إلى أبي حنيفة , جاء في مختصر الفتاوى المصرية عند الحديث عن النوع الثالث من المغالبات وهو ما كان مباحًا لعدم المضرة الراجحة فيه (وأبو حنيفة أباح السبق عنده من الجعالة , والجعالة تجوز على العمل المباح والذي قاله هو القياس) صـ 527 , وانظر: الفروسية لابن القيم صـ 49 , وهذه النسبة صحيحة فيما مثلوا به من المسابقة على الأقدام والمصارعة , أما غيرها فلم أجد أحدًا من علماء الحنفية نص على جواز السبق فيها إلا في مسائل العلم , أنظر: تحفة الفقهاء 3/ 347 , وبدائع الصنائع 6/ 206 , وتبيين الحقائق 6/ 227 , والبحر الرائق 8/ 554 , والفتاوى الهندية 5/ 324 , وحاشية رد المحتار 6/ 402 وهذه الكتب متأخرة , ولعل شيخ الإسلام وتلميذه رحمهما الله إطلاعا على كتب قبلها في المذهب الحنفي تجيز بذل السَّبَق في غير المسابقة على الأقدام والمصارعة من سائر المباحات خاصةً إذا كان العوض مبذولًا من أجنبي فيكون أقرب إلى عقد الجعالة.