فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 61

عليه وسلم فيما أخبر به من أن الروم يَغلِبون بعد ذلك , وفيها ظهور أقرب الطائفتين إلى المسلمين على أبعدهما) [1] .

ويقول ابن القيم رحمه الله: (إنما الرهان المحرم الرهان على الباطل الذي لا منفعة فيه في الدين , وأما الرهان على ما فيه إعلاء الإسلام وأدلة براهينه كما راهن الصدِّيق فهو من أحق الحق وهو أولى بالجواز من الرهان على النضال وسباق الخيل والإبل) [2] .

ومن خلال تتبع ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم لم أجد ما أجازا فيه بذل السَّبَق من الأعمال والألعاب في غير ما ورد به النص غير المسابقة في العلم قياسًا على ما فعله الصدِّيق رضي الله عنه.

أما المسابقة على الأقدام والمصارعة وغيرهما فإنه لم يرد نص صريح منهما في إجازة بذل السَّبَق عليهما , بل يستفاد من كلامهما عدم إجازة بذل السَّبَق فيهما , يقول شيخ الإسلام: (وأما أخذ العوض في المسابقة [3] والمصارعة: فهذه الأعمال لم تُجعل في الأصل لعبادة الله تعالى وطاعته وطاعة رسوله , فلهذا لم يحض الشارع عليها ولا رغَّب فيها , إنما يُقصَد بها في الغالب راحة النفوس أو الاستعانة على المباحات , فأباحها الشارع لعدم الضرر الراجح , ولم يأمر بها ولا رغَّب فيها , لأنها ليست مما يحتاجه المسلمون , ولا يتوقف قيام الدين عليها كالرمي والركوب , ولو خلا المسلمون من مصارع ومسابق على الأقدام لم يضرهم لا في دينهم ولا في دنياهم بخلاف ما لو خلوا عن الرمي والركوب لغلب الكفار على المسلمين ولهذا لم يدخل فيها السَّبَق) [4] .

يؤيد ذلك أنهما قسَّما المغالبات إلى ثلاثة أقسام:

1 -قسم محبوب مرضيٍ لله ورسوله: فهذا يُشرع منفردًا بدون الرهن , ويُشرع فيه كل ما يدعو إلى تحصيله كبذل الرهن من أحد المتسابقين أو منهما معًا أو من أجنبي , وأكل المال به ليس أكلًا بالباطل.

2 -قسم مسخطٌ لله ورسوله موصلٌ إلى ما يكرهه الله: وذلك كسائر المغالبات التي توقع العداوة والبغضاء وتصدُّ عن ذكر الله , فهذا محرمٌ وحده ومع الرهان , وأكل المال به مَيْسِر وقمار.

(1) الفتاوى المصرية صـ 533 - 534.

(2) الفروسية صـ 30.

(3) يقصد بها المسابقة على الأقدام.

(4) الفتاوى المصرية صـ 532 , وانظر: الفتاوى الكبرى 32/ 224 , وفي موضع آخر ذكر شيخ الإسلام قول أبي حنيفة في إجازته لبذل السَّبَق في المسابقة على الأقدام والمصارعة وأنه من باب الجعالة , ثم قال معلقًا عليه: (والذي قاله هو القياس) الفتاوى المصرية صـ 527, فهذه العبارة من شيخ الإسلام وإن لم تكن صريحة في إجازته لبذل السَّبَق في المسابقة على الأقدام والمصارعة إلا أنها تدل على أن له رحمه الله قولًا آخر في هذه المسألة - مكتوبًا أو غير مكتوب - يجيز بذل السَّبَق عليهما , وقد رأيت البعلي في جمعه لاختيارات شيخ الإسلام قد نص على ذلك حيث قال (والصراع والسبق بالأقدام ونحوها طاعة , إذا قصد به نصر الإسلام , وأخذ السبق عليه أخذ بالحق , فالمغالبة الجائزة تحل بالعوض إذا كانت مما ينتفع به في الدين , كما في مراهنة أبي بكر رضي الله عنه وهو أحد الوجهين في المذهب) صـ 138.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت