فدلَّ ذلك على أن السَّبَق ليس محصورًا بهذه الأنواع الثلاثة , بل يلحق بها ما في معناها حتى لو لم يكن داخلًا في لفظها كالمصارعة والسباحة ومسائل العلم ونحوها.
الترجيح:
من خلال تأمل الأدلة في المسألة محل البحث يتبين أن مبناها قائم على تفسير النفي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (لا سَبَق ... ) هل هو للجنس أم للكمال؟
فالفريق الأول حملوا النفي على الجنس فعملوا"بظاهر النص فاقتصروا على ما أثبته النص بعد النفي العام , وهي الثلاثة المذكورة في الحديث فقط ولم يجوزوا ذلك في غيرها لأنها ليست في معناها حتى يمكن أن يلحق بها" [1] .
أما الفريق الثاني فقد حمل النفي في الحديث على الكمال , وأن معناه"إنَّ أحق ما بُذل فيه السَّبَق هذه الأنواع الثلاثة لكمال نفعها وعموم مصلحتها" [2] .
والذي يظهر - والله أعلم - أن النفي في الحديث للكمال لا للجنس وأن المقصود به: لا سبق أفضل وأكمل من السَّبَق في ذي النصل وذي الحافر وذي الخف , فبذل السَّبَق فيها من الأعمال الفاضلة لما لها من أثر في القوة العسكرية للمجتمع والدولة الإسلامية فتخصيصها بالذكر يدل على فضلها وعظم مكانتها , وهذا لا يمنع من جواز بذل السَّبَق في غيرها.
يدل على هذا التفسير أنه قد ورد بذل السَّبَق في غيرها كالمصارعة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وركانه رضي الله عنه , ومراهنة الصدِّيق رضي الله عنه لكفار قريش في غلبة الروم, وهما ليسا من ذوات النصل أو الحافر أو الخف , وإنما يجمع بينها النفع في الدين.
إذا تبين ذلك فإن الذي يترجح - والله أعلم - هو القول بجواز بذل السَّبَق فيما كان في معنى ما ورد به النص. ومما يؤيد هذا الترجيح ما يلي:
أولًا: ما سبق بيانه من وجود أنواع أخرى غير هذه الأنواع الثلاثة بُذل فيها السَّبَق في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: أن الجهاد - كما ذكر ابن القيم - رحمه الله [3] - ليس مقصورًا على الجهاد بالسنان , بل يشمل الجهاد باللسان , وقد يكون النوع الأخير أعظم نفعًا وأقوى شكيمة على العدو من النوع الأول.
(1) الفروسية صـ 48.
(2) المرجع السابق صـ 28.
(3) انظر: الفروسية صـ 19.