قلت: وهذا صحيح في حالة عدم وجود ما يصرف النفي من الصحة إلى الكمال , إلا أنه قد وردت أحاديث أخرى بَذل فيها السَّبَق في غير هذه الأنواع الثلاثة , كالمصارعة والمراهنة في تصديق قول الرسول صلى الله عليه وسلم.
الدليل الثاني: حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ... ( .. وليس اللهو إلا في ثلاثة: تأديب الرجل فرسه , وملاعبته أهله , ورميه بقوسه ونَبْله) [1] ... ووجه الاستدلال من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن أن أصل اللهو باطل إلا ما كان في هذه الأمور الثلاثة فإنه من الحق فأكل المال بغير هذه الأمور الثلاثة أكلٌ بالباطل [2] .
الدليل الثالث: أن العلماء قد أجمعوا على عدم جواز بذل العوض في المسابقات إلا في ذوات الخف والنصل والحافر.
قال ابن عبد البر: (أجمع أهل العلم على أن السَّبْق لا يجوز على وجه الرهان إلا في الخف والحافر والنصل) [3] , ونقله القرطبي بعده [4] فإجازة بذل العوض في غير هذه الثلاثة خرق لهذا الإجماع.
الدليل الرابع: أن غير هذه الأنواع الثلاثة وما يُقاس عليها لا يُحتاج إليها في القتال كالحاجة إلى الأنواع الثلاثة التي عليها عماد القتال والجهاد , أما غيرها فإن الأصل عدم الحاجة إليها, وقد يحتاج إليها في بعض الحالات فلا تقارن بهذه الأنواع الثلاثة في الأهمية والمكانة, فلا يجوز بذل السَّبَق عليها [5] .
القول الثاني: جواز بذل السَّبَق في معنى ما ورد به النص:
وهذا قول الحنفية [6] والمذهب عند الشافعية [7] , ورواية عند الحنابلة [8] وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية [9] وتلميذه ابن القيم [10] .
(1) رواه النسائي واللفظ له , في كتاب الخيل - باب تأديب الرجل فرسه برقم 3522 , وأبو داود في كتاب الجهاد باب في فضل الرمي برقم 2152, والترمذي في كتاب فضائل الجهاد باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله برقم 1561, وأحمد في مسند الشاميين برقم 16662 و 16683 , والدارمي في كتاب الجهاد باب فضل الرمي برقم 2298.
(2) انظر: بدائع الصنائع 6/ 206.
(3) التمهيد 14/ 88.
(4) تفسير القرطبي 9/ 146.
(5) انظر: المغني 13/ 407 , والفتاوى المصرية صـ 532 , والفروسية صـ 49.
(6) انظر: تحفة الفقهاء 3/ 347, وتبيين الحقائق 6/ 228, والبحر الرائق 8/ 555, والفتاوى الهندية 5/ 324, والدر المختار وحاشية رد المحتار عليه 6/ 403.
(7) انظر: المهذَّب 1/ 414, وروضة الطالبين 10/ 350, ونهاية المحتاج 8/ 165, ومغني المحتاج 4/ 311.
(8) انظر: الإنصاف 15/ 8 - 11.
(9) انظر: الفتاوى المصرية صـ 533 - 535.
(10) انظر: الفروسية لابن القيم.