وجاء في المحلى بعد ذكره لأنواع السَّبَق وباذله (قال أبو محمد: ما عدا هذا فهو أكل مال بالباطل) [1] .
ويستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
الدليل الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا سبق إلا في نصل أو حافر أو خف" [2] .
ووجه الاستدلال من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر جواز بذل السَّبَق على هذه الأنواع الثلاثة , وجاء ذلك بصيغة النفي مع إلا التي هي من أقوى صيغ الحصر فدلَّ ذلك على عدم جواز بذل العوض فيما عداها من الأعمال والألعاب حتى لو كانت نافعة [3] .
ونوقش هذا الدليل والاستدلال: بأنه قد ورد في ضبط لفظ"السبق"روايتين [4] 0):
الرواية الأولى: بالفتح (لا سَبَق) وهي الأشهر , فيكون المراد من الحديث: أن أحق ما بذل فيه العوض هذه الثلاثة لكمال نفعها وعموم مصلحتها , فالمراد بالنفي هنا نفي الكمال لا نفي الجنس [5] 1) , ويكون كقوله صلى الله عليه وسلم"لا ربا إلا في النسيئة" [6] مع أن الربا يكون في الفضل كما دلَّت على ذلك السنة , وقوله صلى الله عليه وسلم"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" [7] مع أن هناك أركانًا أخرى غيرها لا تصح الصلاة بدونها كالركوع والسجود وغيرهما.
الرواية الثانية: بالسكون (لا سَبْق) , والمعنى على هذه الرواية أنه لا مسابقة أفضل وأنفع من المسابقة بذوات الخف والنصل والحافر , وهذا - كما هو ظاهر - لا يدل على نفي الجواز فيما عداها [8] .
وأجيب عن هذه المناقشة: بأن صرف النفي من الصحة إلى الكمال ليس بمسلك صحيح , إذ الواجب في كلام الشارع أن يُحمل على الحقيقة ما أمكن , فإن تعذر صُرف إلى ما يناسبه , لذا فإن الواجب في هذا الحديث أن يُحمل على نفي الصحة أولًا , فإن جاء ما يمنع حمله عليها حُمل على نفي الكمال وهذا لم يتحقق [9] .
(1) 5/ 426 مسألة 970 - 972, ويرى ابن حزم أن المسابقة على الأقدام داخلة ضمن المسابقة الجائزة بعوض , انظر المسائل المرموز لها.
(2) سبق تخريجه صـ 8.
(3) انظر: المغني 13/ 407.
(4) انظر صـ 5.
(5) انظر الفروسية لابن القيم صـ 28 و 49.
(12) رواه أحمد في مسند الأنصار برقم 20767 , والنسائي في كتاب البيوع , باب بيع الفضة بالذهب وبيع الذهب بالفضة برقم 4504, والحديث أصله رواه مسلم في كتاب المساقاة بلفظ (الربا في النسيئة) برقم 2990 وبلفظ (أنما الربا في النسيئة) برقم 2991.
(7) متفق عليه , أخرجه البخاري في كتاب الأذان , باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات برقم 714 , ومسلم في كتاب الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة برقم 595.
(8) انظر: الفروسية صـ 49.
(9) انظر: الحوافر التجارية التسويقية - خالد المصلح - صـ 137.